بقلم/ علي حسن
تذكر جيدا قبل قراءة المقالة هذه أن الرسالة المراد توصيلها فى الدرما والسينما لا تتعلق بالنص وفقط وإنما المشهد يتألف من موسيقي تصويرية وزوايا تصوير وإضاءة تنصهر فيه كل تلك المكونات مع أداء الممثل والنص المكتوب ليزرع فى عقلك ووعيك الهدف المطلوب من العمل الفني.
فى فيلم مثل دعاء الكروان ستجد فتاة تخون ربها وأهلها وتقع فى الزنا مع رجل فاسد ولكن العناصر التى كلمتك عنها ستجعلك تتعاطف مع الفتاة والرجل الفاسد وتكره ابن عم الفتاة الغيور على محارمه. لأن الفيلم لن يبرز الغيرة التى مدحها الله عز وجل وتفاخر بها البشر إلا ضمن إطار تجتمع فيه مع الفضيلة صفات أخرى أشد قبحا لتجعل عقلك مع نهاية الفيلم يكره الرجل الغيور ويميل قلبيا للزاني والزانية.
واسأل نفسك بعدما شاهدت فيلم عمارة يعقوبيان، هل كرهت اللواط ومن تدنس به أم تحول الأمر لديك لمجموعة من النكات والصور التى يمكن استغلالها للتعليق على مواقف أخرى وصناعة تيمة بها؟
ما ضربته لك من أمثلة هى صلب تلك الصناعة حيث يتم تمرير الرسائل الخفية وهدم القيم بتلك الصورة الغير مباشرة لتجد بعد فترة من الزمن المحتمع وقد تبدل حاله وما كان منكرا صار مقبولا.
هل سألت نفسك يا صديقي عن عدد الأعمال الدرامية التى تناولت الصراع العربي الإسرائيلى أو تعرضت للشخصية اليهودية بشكل عام فى الفترة من 1952 وحتى 2025؟
ستقول لي ولماذا تذكر هذا الموضوع الآن؟
لأنه وببساطة يا صديقي لا يوجد عدو أوضح من الكيان ولا يوجد من أجرم بحقنا وخرب بيوتنا واقتصادنا وانتهك سيادتنا وسفك دمنا ودنس مقدساتنا مثله.
من بين 18 فيلما و 10 مسلسلات تقريبا لن تجد عملا فنيا واحدا تخرج منه وقد امتلأ قلبك كرها وغيظا من هذا العدو. أتحداك!.
قد تخرج من الفيلم منتشيا ببطولة العميل المصري أو الضابط ولكنك لن تجد فى قلبك تغيظا وكرها يزيد من كراهيتك لهذا العدو الذي أسقطت طائراته حمولاتها على مدرسة مصرية ابتدائية فى بحر البقر بخلاف دفن المئات من عساكرنا أحياءا فى سيناء.
قد تجد نفسك تضحك على بخلهم أو طريقة كلامهم أو الخنفة في صوتهم ولكن لن يضيف ذلك لمشاعرك السلبية تجاههم (إن وُجدت) شيئا. أتدري لماذا؟ لأن صناع العمل يقصدون ذلك تماما. هم لا يريدونك أن تكرههم مهما كان تاريخهم الإجرامي معنا. ولذا ستجد كافة المؤثرات من إضاءة وديكور وموسيقي تخدم على هذه النقطة.
سل نفسك من هى الشخصية التى كرهتها فى مسلسل رأفت الهجان رغم تغلغل المسلسل داخل المجتمع هناك وعرضة لشخصيات كثيرة؟ لن تجد.
وقس على ذلك كافة الأعمال الفنية. هل زاد كرهك لدولة الكيان بعد مشاهدة مسلسل جمعة الشوان عشرات المرات؟ لم ولن يحدث.
العجيب أن عملا فنيا متميزا كفيلم ناجي العلي تم رفعه من دور السينما فى مصر ومنع عرضه بعدها. أتدري لماذا؟ لأن مضمون رسالته التى تلقاها المشاهد هى التعاطف الحقيقي مع أصحاب القضية من أشقائنا فى فلسطين مع ازدياد الحنق على القيادات العربية. لن يكون هناك مزيدا من الحنق والكره تجاه الصهاينة بعد مشاهدة الفيلم ورغم ذلك تم منعه لأنه يزيد من التعاطف مع أهل فلسطين.
كان آخر وأحدث أعمال العسكر الدرامية حول اليهود هو المسلسل الذي أنتجه آل العدل فى رمضان للعام 2015 واسمه حارة اليهود. هل تذكر تفاصيل أول حلقة منه؟ كانت باختصار صراع بين فتاتين على قلب ضابط مصري أحدهما مسلمة ابنة بلطجي والأخرى يهودية "مثقفة" تكسب بكدها وعملها فى شيكوريل وبالطبع لست فى حاجة لأن أذكر لك أن الشريرة والمجرمة فيهم كانت الفتاة المسلمة التى أوعزت لأحد البلطجية من مساعدى والدها أن يرمي ماء النار على وجه الفتاة اليهودية!
أعلم أنك تسأل الآن عن المحتوى الذي تقرأه وعن الصورة المرفقة لأحد المسلسلات المزمع عرضها فى رمضان القادم عن الجماعة التى تقدمها لك دولة العسكر ك "عدو" وهو امتداد لأعمال أخرى سابقة صُرفت عليها مئات الملايين من الجنيهات والتى قطعا كان فقراء البلد أولي بها بدلا من الذهاب لجيوب مجموعة من الحمقي.
وقبل الحديث عن هذا المسلسل أراجع معك الصورة النمطية للمسلم فى أعمال العسكر الفنية من سينما ودراما تليفزيونية. وأعني بالمسلم هنا هو الشاب أو الفتاة التى تحافظ على صلاتها فى المسجد وتهتم بالهدي الظاهر كاللحية والنقاب أو الحجاب وما شابه. هم يعدون هذا المسلم العادي جدا الذي يقوم بالحد الأدني مما افترضه الله عليه أو سنه رسولنا الكريم مسلما ملتزما متشددا ويجعلون المشاهد يخرج بمحصلة واحدة من أى عمل فني يتم عرض هذا النموذج به وهو كره كل ما يمت للإسلام أو الإلتزام بصلة.
فيجعلك تتشكك في كل من يحافظ على عباداته وصلواته لأنه من المؤكد أن خلف هذا الأمر مصائب لا تراها بعينك. وأن كل من يدعو للتمسك بفضيلة أو خلق ما فمن المؤكد أنه يأتي عكسه تماما كما كان السيد أحمد عبد الجواد فى مجموعة نجيب محفوظ. فهو الرجل الذي يدعي غيرته على نسائه "وهي صفة محمودة" ولكنه يترك بيته ليفعل الفاحشة مع الغوازي!
فالعجيب هنا يا صديقي أن إعلام العسكر يجعلك تكره المسلم الذي يحافظ على الحد الأدني من عبادته بينما لا يزرع في قلبك ذرة كره واحده لعدوك المتربص بك على حدودك والذي فعل بنا الأفاعيل.
وقد تقول ولكن "الإرهاب" قد يكون أشد خطرا من عدونا المتربص بنا والذي يحاصر أمننا القومي شرقا وغربا وجنوبا.
دعنى أتجاوب معك فى تلك التهمة وأسألك: كم عدد ضحايا "الإرهاب" مثلا فى كل تاريخ مصر مقارنة بعدد ضحايا حروبنا فى 48 و 56 و 67 و 73 وما هو الضرر الإقتصادي الذي سببه الإرهاب مقارنة بما ذكرته لك من حروب لم تكن أنت فيها أبدا المعتدي؟.
وقتها ستدرك أن إعلام بلدك الذي تنفق أنت عليه المليارات من خزينة بلدك المثقلة بترليونات الجنيهات من الديون يصرف نظرك عن عدوك الحقيقي لصالح عدو متوهم أو في أخطر أحواله أهون ضررا بكثير جدا من العدو الحقيقي.
والمضحك أن السيسي نفسه وبلسانه منذ أيام قليلة جدا جدا وفى لقاء مذاع على الهواء قال لكم أنه لم يكن لديه مانع أن يأتي الرئيس مرسي "رحمه الله" رئيسا مرة أخري إذا وافق على مقترحه بالتنازل عن الرئاسة وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
فهل لكون الرئيس رفض خيانة أحد وزرائه للقسم الذي أقسم عليه يتحول وأنصاره لإرهابيين؟
كل هذه الحقائق التي ذكرتها لك والتى حاولت الإختصار فيها قدر المستطاع هى ضرورية جدا لك قبل أن تشاهد فصلا جديدا من التدليس والكذب والغش لذاكرة الأمة والشعب بأموال لو أنفقت على فقراء البلد وصلاح مرافقها لما احتاج الناس لأعمال فنية تزيد من ارتباطهم بمن يحكمون هذا البلد المنكوب بقيادته.

