تعيش سوق الهواتف المحمولة في مصر واحدة من أسوأ أزماتها منذ سنوات، بعد قرار حكومة الانقلاب إلغاء الإعفاء الاستثنائي للمصريين القادمين من الخارج، وهو القرار الذي دفع الأسعار للارتفاع بنسب تتراوح بين 20% و30%، وأدخل السوق في حالة ركود خانق وتوقف شبه كامل لحركة البيع والشراء.
ورغم محاولة شعبة الاتصالات والمحمول بالغرفة التجارية بالقاهرة تقديم “روشتة” بثلاثة محاور لاحتواء الغضب، فإن الواقع يقول إن المشكلة أعمق من مجرد إعفاء هنا أو لجنة هناك: نحن أمام سوق تُعامِل الهاتف كرفاهية خاضعة للجباية، في حين صار الموبايل أداة أساسية للعمل والتعليم والخدمات اليومية لملايين المصريين.
رسوم عقابية وقرارات عشوائية: كيف أشعلت حكومة الانقلاب نار الأسعار؟
قرار إلغاء الإعفاء الجمركي عن الهاتف الشخصي القادم مع المسافر لم يكن مجرد “ضبط للسوق”، بل كان في جوهره توسيعًا لقاعدة الجباية على واحدة من أكثر السلع ارتباطًا بحياة الناس اليومية. الرسوم الجمركية والضريبية على الهواتف المستوردة وصلت في فترات سابقة إلى نحو 38–38.5% من سعر الجهاز، وفق تقديرات رسمية وإعلامية، تشمل ضريبة قيمة مضافة ورسومًا لصالح عدة جهات من بينها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.
هذا العبء لا يُحمَّل على الشركات، بل يُنقل كاملًا إلى المستهلك الذي يجد الهاتف – خصوصًا الفئات المتوسطة والعليا – يقفز إلى ضعف سعره في أسواق أخرى مثل السعودية والإمارات، كما تكشف مقارنات صحفية بين الأسعار في مصر والدول المجاورة.
خبير الاتصالات إسلام غانم يرى أن ما يفترض أنه “استثناء” ضريبي تحول عملياً إلى قاعدة دائمة، مع تشديد الإجراءات على الهواتف الواردة مع المسافرين، لتصبح الرسوم ذريعة جاهزة أمام الشركات لرفع الأسعار في كل موجة جديدة.
بهذا المعنى، لا يبدو قرار إلغاء الإعفاء مجرد خطوة فنية، بل حلقة ضمن سياسة أوسع تنظر إلى الهاتف بوصفه مصدرًا سريعًا لتحصيل العملة والضرائب، حتى لو كان الثمن تضييق الوصول إلى أداة اتصال أساسية.
من جانبه، يلفت محمد طلعت، رئيس شعبة الاتصالات والمحمول باتحاد الغرف التجارية، إلى أن أسعار الهواتف المصنعة في مصر نفسها قفزت بنحو 20%، رغم كل ما يُقال عن دعم الصناعة المحلية، وأن جزءًا من الزيادات يرتبط بارتفاع عالمي في أسعار الرامات والرقائق، لكن ما يحدث في السوق المصرية يتجاوز المنطق الاقتصادي العادي في ضوء حجم الرسوم والقيود المحلية.
بمعنى آخر: حتى إنتاج “صنع في مصر” لم يعد ملاذًا للفئات المتوسطة والفقيرة، بعدما التهمته نفس السياسات التي تدّعي حماية الصناعة والاحتياطي في آن واحد.
سوق بلا شفافية وشركات بلا رقيب: حين يتحول المواطن إلى “ضحية مثالية”
الأخطر أن هذه القرارات الحكومية جاءت فوق سوق تعاني أصلاً من اختلالات عميقة في التسعير والرقابة.
نائب رئيس شعبة الاتصالات والمحمول بالغرفة التجارية بالقاهرة وليد رمضان كشف أن ثلاث شركات كبرى أبلغت التجار بقوائم أسعار جديدة تبدأ من نهاية يناير، على أن تُطبَّق الزيادات اعتبارًا من أول فبراير، بنسب تتراوح بين 5% و20%، مؤكدًا أنه “لا يوجد أي مبرر اقتصادي حقيقي” لهذه القفزة: لا سعر الصرف تغير، ولا تكلفة المكوّنات ارتفعت، والمخزون لدى الشركات كافٍ.
هذه الشهادة من قلب الشعبة الرسمية تعني ببساطة أن الشركات تستغل حالة الفوضى التنظيمية وغياب الرقابة، وتُحوِّل أي قرار حكومي – مثل ضريبة الهواتف أو تشديد إجراءات الجمرك – إلى فرصة ذهبية لتحقيق أرباح استثنائية على حساب سوق راكد أصلاً.
في المقابل، يواجه السوق فراغًا رقابيًا مخيفًا. فبحسب تصريحات نقلتها تقارير اقتصادية عن مسؤولين بالشعبة وخبراء في سوق المحمول، لا توجد جهة حقيقية تراقب أسعار الهواتف أو تقارنها بمنطقتنا العربية، رغم وجود أجهزة مثل حماية المنافسة وحماية المستهلك. النتيجة أن الأسعار في مصر أعلى بوضوح من مثيلاتها في دول الخليج، رغم انخفاض الدخول هنا وارتفاع معدلات الفقر، وهو ما وصفته تقارير متخصصة بأنه “تشوّه بنيوي” في سوق يفترض أن تكون تنافسية بطبيعتها.
هذا الخلل ينعكس مباشرة على الموزعين الصغار الذين يعملون بهوامش ربح هزيلة، بينما تتحكم الشركات العالمية والكيانات الكبرى في حلقات التسعير من المصنع وحتى المستهلك، وفق ما كشفه محمد هداية الحداد، نائب رئيس شعبة تجار المحمول باتحاد الغرف التجارية، حين تحدث عن “نظام الحوافز الوهمية” الذي يدفع الموزعين لتحمّل التمويل والمخاطر بينما تحافظ الشركات على أرباحها كاملة.
في هذه المعادلة، يصبح المواطن الحلقة الأضعف: لا يملك القدرة على مقاطعة سلعة صارت شرطًا للحياة الرقمية، ولا يجد جهة فعّالة تدافع عنه أمام جشع الشركات أو شهوة الجباية الرسمية.
“روشتة” الشعبة بين النوايا الحسنة وواقع اقتصاد الجباية
في محاولة لاحتواء انفجار الغضب الشعبي، طرحت شعبة الاتصالات والمحمول ما وصفته بـ”روشتة” من ثلاثة محاور لحل الأزمة:
إلغاء الضرائب والرسوم على مستلزمات إنتاج مصانع المحمول، إعفاء مسافرَين من الرسوم عن هاتفين كل عامين بشروط تنظيمية صارمة، وتشكيل لجنة عليا برئاسة رئيس حكومة الانقلاب لمراقبة الأسعار ومراجعة سياسات الشركات.
وليد رمضان يدافع عن هذه الحزمة باعتبارها “حلًا وسطًا” يمكن أن يخفض الأسعار ويقضي على التهريب ويعيد الثقة للسوق، لكنه يعترف في الوقت ذاته بأن استمرار الرسوم الحالية على الهواتف النهائية سيُبقي الأسعار أعلى من الدول المجاورة، حتى مع إنتاج محلي أقوى.
أما محمد هداية الحداد فيشدد على أن أي مبادرة لن تنجح ما لم تُخضع سياسات التسعير للمراجعة والتدقيق عبر لجنة رقابية حقيقية تضم الغرف التجارية وجهازي حماية المنافسة وحماية المستهلك، لوقف الزيادات “غير المبررة” التي لا تعكس تكلفة حقيقية، خاصة مع وجود حالات تُباع فيها هواتف مستوردة – سُددت عنها كل الرسوم – بسعر أقل من نظيرتها المصنعة محليًا، في مفارقة فاضحة تكشف عوار المنظومة بالكامل.
في الخلفية، يذكّر محمد طلعت بأن الحديث الرسمي عن “توطين صناعة الإلكترونيات” لا معنى له إذا ظل الهاتف يُعامَل كسلعة ترفيهية خاضعة لأعلى شرائح الرسوم، بدل اعتباره سلعة استراتيجية ترتبط بالتعليم والصحة والخدمات الحكومية والتحويلات المالية، وهو ما يستدعي – من وجهة نظره – إعادة تصنيف القطاع وخفض الأعباء الضريبية عنه، لا العكس.
وبين تحذيرات إسلام غانم من تحويل الرسوم الاستثنائية إلى قاعدة دائمة، ومطالب رمضان والحداد وطلعت بإعادة ضبط قواعد اللعبة بالكامل، يتضح أن أزمة سوق المحمول ليست “تفصيلة تقنية” تخص شركات وتجارًا فقط، بل عنوان فرعي لأزمة أكبر: اقتصاد يُدار بعقلية الجباية والعقاب، لا بعقلية تمكين المواطنين من أبسط أدوات الحياة الحديثة.
ما لم تتراجع حكومة الانقلاب عن اعتبار الهاتف “رفاهية قابلة للابتزاز الضريبي”، وتُطبَّق رقابة حقيقية على الشركات، وتُخفَّف الأعباء عن التصنيع المحلي والمستهلك النهائي معًا، سيبقى الموبايل في مصر رمزًا صارخًا على دولة ترى في حق الناس في التواصل فرصة ذهبية لتحصيل رسوم جديدة، لا حقًا أصيلاً ينبغي حمايته.

