قفز سعر كيلو الدواجن في بورصة الدواجن الرئيسية إلى نحو 88 جنيهًا، ليتحوّل سريعًا على موائد المصريين إلى 100 جنيه على الأقل للكيلو، ومعه قفز سعر الكتكوت إلى حدود 20 جنيهًا، في إشارة واضحة إلى موجة غلاء جديدة تتشكل على أبواب رمضان، عنوانها البارز: «الفراخ سلعة موسمية مضاربة، لا غذاءً أساسيًا لملايين الفقراء».

 

ورغم محاولات مسؤولي الحكومة وقيادات القطاع طمأنة الشارع بالحديث عن «موسم استهلاكي مؤقت» و«سوق يخضع لآليات العرض والطلب»، فإن تركيبة السوق نفسها، واعتماد القطاع على استيراد أكثر من 95% من مدخلات الإنتاج، وسط فوضى الحلقات الوسيطة، تجعل أي موجة ارتفاع تتحول فورًا إلى عبء لا يُحتمل على موازنة الأسر التي لم تعد قادرة أصلًا على الاقتراب من اللحوم الحمراء.

 

في هذا التقرير، نقرأ ارتفاع الأسعار من زاوية أكثر حدة: دورة إنتاج خانقة، ووسطاء يربحون في دقائق ما لا يجنيه المربي في شهور، وسوق تُترك لآليات مفقودة العدالة، بينما يكتفي المسؤولون بالدعوة إلى «الوعي» و«عدم الخوف»، وكأن المشكلة في خوف المواطن لا في جشع السلسلة التي تحاصره من المزرعة حتى بائع التجزئة.

 

تكلفة إنتاج مشتعلة.. ومربون على حافة الخروج من المنظومة

 

يربط مربو الدواجن بين الارتفاع الحالي وبين ثلاثة عوامل متداخلة: أولًا، ارتفاع تكلفة التدفئة والكهرباء والغاز في الشتاء، مع حساسية الدواجن البالغة للبرودة؛ ثانيًا، الاعتماد شبه الكامل على مدخلات مستوردة من أعلاف وأدوية ولقاحات، تتأثر مباشرة بسعر الدولار؛ وثالثًا، انتشار الأمراض والفيروسات الموسمية التي ترفع نسب النفوق وتضرب هوامش الربح في مقتل.

 

الدكتور عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية، يؤكد في أكثر من حوار أن القدرة الشرائية للمواطن «باتت ضعيفة»، وأن القطاع شهد طفرة إنتاجية وصلت إلى نحو 1.6 مليار دجاجة سنويًا بعد أزمة الأعلاف في 2022، ما أدى في فترات سابقة إلى هبوط سعر الكيلو في المزرعة إلى حدود 53–63 جنيهًا، أي أقل من تكلفة الإنتاج، ودفع المنتجين إلى خسائر كبيرة.

 

هذه الخسائر المتراكمة جعلت كثيرًا من المربين، خصوصًا صغار المنتجين، يقلّصون الدورات الحالية أو يخرجون مؤقتًا من السوق، خوفًا من تكرار سيناريو البيع بالخسارة. النتيجة المباشرة كانت تراجع المعروض في الدورة السابقة على رمضان، لتصطدم قلة الإنتاج بموجة طلب موسمية، فيرتفع السعر سريعًا إلى مستوى 88 جنيهًا في البورصة و100 جنيه للمستهلك، مع توقعات ميدانية بأن يصل إلى 105 جنيهات كما حدث العام الماضي إذا استمر الانفلات.

 

من جانبه، يحذّر المهندس محمود العناني، رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن، من أن القطاع ما زال يعيش آثار أزمة الأعلاف وارتفاع الدولار، وأن جزءًا من المنتجين يبيع «عند حدّ التكلفة أو أقل» في بعض الفترات، بينما يتحمل مخاطر الأمراض والتقلبات المناخية وحده، في سوق لا تمنحه مظلة تأمينية حقيقية ولا تسعيرًا تفضيليًا يراعي دوره في الأمن الغذائي.

 

هذا التشابك بين كلفة إنتاج متصاعدة، وخسائر سابقة غير معوّضة، ودورات إنتاجية متقلّصة، يعني أن أي صدمة في الطلب – مثل موسم رمضان – تتحول مباشرة إلى قفزة سعرية، يدفع ثمنها المستهلك، بينما لا يخرج المربي بالضرورة رابحًا كما يتصور كثيرون؛ بل كثير منهم يستغل هذه الدورة الرمضانية فقط لتقليل جزء من خسائر الشهور الماضية، في انتظار موجة جديدة من عدم الاستقرار.

 

الحلقات الوسيطة: جنة السمسار وجحيم المربي والمستهلك

 

الواقع أن الطريق بين المزرعة وموائد الناس هو أكثر ما يفضح خلل المنظومة. المربون يتحدثون عن سماسرة وحلقات وسيطة تتحكم في السعر النهائي، بعيدًا عن تكلفة الإنتاج الحقيقية.

 

عبد العزيز السيد نفسه يعترف بأن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في كلفة التدفئة أو كلفة الأعلاف، بل في تضخم عدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك؛ فبين المزرعة وبائع التجزئة تمر الشحنة على تاجر جملة، وتاجر نصف جملة، وسلسلة من السماسرة، كثير منهم بلا بطاقات ضريبية ولا رقابة حقيقية، يحقق بعضهم ربحًا قد يصل إلى 10 جنيهات في الكيلو خلال ساعات، بينما لا يتجاوز ربح المربي داخل المزرعة في أفضل الأحوال 10 جنيهات للكيلو.

 

هذا يعني أن فارق الـ10–15 جنيهًا بين سعر البورصة وسعر المستهلك لا يعكس «تكلفة نقل وتداول» بقدر ما يعكس فوضى سوق تُترك بالكامل للعبة العرض والطلب دون أي تدخل لضبط الهامش، أو فرض فواتير ضريبية، أو كشف حقيقي عن هوامش أرباح كل حلقة.

 

في الخلفية، يشير تقرير لصحيفة عربية اقتصادية إلى أن ارتفاع أسعار الكتاكيت إلى مستويات قياسية خلال يناير 2026 لم ينعكس بهامش ربح مريح على صغار المربين، بل زاد من ضغط التكلفة عليهم، بينما ظلت السياسات الحكومية تهدد بفتح باب الاستيراد في أي لحظة، بما يعني أن المنتج المحلي يتحمل المخاطر كاملة، دون حماية من منافسة غير عادلة مع المستورد الأغلى سعرًا لكنه محصَّن بعقود استيراد وتيسيرات بالدولار.

 

في هذه المعادلة، يخسر الجميع تقريبًا: المربي الصغير الذي قد ينسحب من المنظومة مع أي دورة خاسرة جديدة، والمستهلك الذي يشتري الكيلو بـ100 جنيه، بينما الدولة تكتفي بتنظيم معارض موسمية مثل «أهلًا رمضان» لتقديم كميات محدودة بسعر أقل، دون أن تمسّ بنية سوق تمنح القوة الحقيقية لمن يقف في الوسط، لا لمن يربّي في العنابر أو يطبخ في البيوت.

 

موسم استهلاكي أم بوابة لأزمة أعمق؟

 

نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن الدكتور ثروت الزيني يقدّم رواية أكثر اطمئنانًا: ما يجري – برأيه – طبيعي ومتكرر سنويًا، ويُعرف بـ«الموسم الاستهلاكي»، حيث تزيد الأسر مشترياتها استعدادًا لرمضان، وترتفع نسب السحب من الأسواق بنحو 30–35%، خاصة مع تداخل صيام الأقباط هذا العام وبداية الاستعداد لرمضان في وقت مبكر.

الزيني يؤكد أن الإنتاج متوافر، وأن الأزمة الحالية لم تمتد إلا لأسابيع، مقارنة بموجة العام الماضي التي استمرت لأكثر من 6 أشهر، وأن الأسعار مرشحة للعودة لمعدلاتها «الطبيعية» مع بداية الشهر الكريم.

 

لكن السؤال هنا: ما هي «الأسعار الطبيعية» في بلد بات فيه كيلو الدواجن يقترب من 100 جنيه بينما الحد الأدنى للأجور لا يلحق بمعدلات التضخم؟ وما معنى أن نصف الأزمة باعتبارها «موسمية» بينما بنية السوق نفسها ما زالت تعاني من اعتماد خطير على الاستيراد، وغياب مخزون استراتيجي من الأعلاف، وترك تسعير الكتكوت وحلقات التوزيع للعبة عرض وطلب غير شفافة؟

 

الدكتور طارق سليمان، رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة بوزارة الزراعة، يفاخر بأن مصر حققت اكتفاءً ذاتيًا من الدواجن والبيض، وأن الدولة اتخذت إجراءات لدعم هذا القطاع وتصدير الفائض. لكن هذا «الاكتفاء» يصبح رقمًا أجوف حين لا ينعكس في أسعار عادلة للمستهلك، وحين يظل المنتج المحلي نفسه مهددًا بالإفلاس مع كل أزمة أعلاف أو موجة برد أو قرار استيراد طارئ.

 

الزيني يعترف أيضًا بأن القطاع تكبّد خسائر كبيرة في الفترات الماضية، وأن الانتعاش الحالي يمثّل فرصة لتعويض جزء منها، معتبرًا أن ارتفاع الطلب الموسمي «فرصة إيجابية للصناعة، وليس مؤشرًا على أزمة». هذا صحيح من زاوية المنتجين الكبار، لكنه يعني بالنسبة للمستهلك أن الصناعة لا ترى في هذا الموسم سوى نافذة لتعويض خسائرها، حتى لو كان الثمن أن يدفع ملايين الفقراء ثمن «فراخ رمضان» مضاعفًا.

 

في ظل غياب تدخل حقيقي لضبط هوامش أرباح الوسطاء، وغياب آلية شفافة لإعلان تكلفة الإنتاج والسعر العادل، وترك المواطن وحيدًا في مواجهة بورصة وسماسرة وبيانات مطمئنة لا تنعكس على فاتورة الشراء، يصبح الحديث عن «موسم استهلاكي» مجرد تجميل لغول غلاء يلتهم ما تبقى من قدرة الأسر على تأمين بروتين أساسي على موائدها.

 

الخلاصة: إذا استمر التعامل مع الدواجن كسلعة مضاربة موسمية لا كركن أساسي في أمن المصريين الغذائي، ومع الصغار من المربين كـ«صمام يستطيع السوق الاستغناء عنه»، ومع المواطن كمستهلك يجب أن يتكيّف مع الأسعار لا أن تُضبط له؛ فإن «فراخ الـ100 جنيه» لن تكون ذروة عابرة في شتاء 2026، بل محطة جديدة في مسار انزلاق الفقراء خارج موائد البروتين تمامًا.