تتصاعد شكاوى فلاحين ومزارعين من تعثر منظومة التقاوي المعتمدة، بين الحديث عن ندرة في بعض المنافذ الرسمية، وارتفاع كلفة الشراء، وتزايد الاعتماد على قنوات غير رسمية تُعرض فيها تقاوي مجهولة المصدر أو متفاوتة الجودة. وفي المقابل، تُصر جهات رسمية على أن الإمدادات متوافرة وأن ما يُتداول عن نقص حاد “غير دقيق”، ما يضع المشهد في منطقة رمادية: أزمة حقيقية على الأرض عند بعض المزارعين، مقابل رواية حكومية ترى أن الخلل في الانطباعات أو في التوزيع لا في الكميات.

 

هذه الفجوة بين ما يقوله الفلاح وما تعلنه المؤسسات ليست تفصيلًا إعلاميًا، بل نقطة حساسة تمس الأمن الغذائي ودورة الإنتاج الزراعي بأكملها. فالتقاوي ليست سلعة هامشية يمكن تعويضها بسهولة؛ هي “بداية الموسم”، وإذا اضطربت البداية انعكس ذلك على الإنتاجية، وعلى جودة المحصول، وعلى تكلفة الغذاء لاحقًا، وعلى ثقة المزارع في الإرشاد الزراعي وسلاسل الإمداد.

 

مظاهر الأزمة كما يراها الفلاحون: ندرة موضعية وسوق غير رسمية ومخاوف جودة

 

في روايات متداولة على منصات محلية وتقارير صحفية، يصف فلاحون صعوبة الحصول على التقاوي المعتمدة في الوقت المناسب من بعض نقاط التوزيع، أو اضطرارهم للبحث عنها في أسواق بديلة بأسعار أعلى. وتشير هذه الروايات إلى أن المشكلة ليست في “اختفاء” التقاوي دائمًا، بل في تذبذب وصولها وتفاوتها بين المناطق، وهو ما يخلق شعورًا بالظلم: مزارع يحصل على احتياجه بسهولة، وآخر يظل في دائرة انتظار وقلق.

 

ومع أي اضطراب في المعروض أو في آليات الصرف، تنشط تلقائيًا قنوات غير رسمية. هنا تبدأ مخاطر أكبر: تقاوي مغشوشة أو مختلطة، عبوات بلا بيانات دقيقة، أو أصناف لا تناسب التربة والظروف المحلية. وحين تقع الخسارة، لا تكون الخسارة في ثمن التقاوي فقط، بل في موسم كامل وتكاليف ري وعمالة وتجهيزات. لهذا تتحول أزمة التقاوي بسرعة إلى أزمة ثقة: ثقة في المنافذ، وثقة في الرقابة، وثقة في منظومة الاعتماد.

 

الرواية الرسمية: “التقاوي متوافرة” لكن أين يضيع أثرها؟

 

على الجانب الآخر، نقلت تغطيات اقتصادية عن جهات رسمية أن مخزون التقاوي المعتمدة والأسمدة المدعمة كافٍ، وأن ما يُثار عن نقص في المنافذ لا يعكس الصورة العامة. وتذهب هذه الرواية إلى أن الإمدادات موجودة، وأن المشكلة قد تكون في تداول معلومات مضخمة أو في حالات فردية لا تعبر عن السوق.

 

لكن حتى لو صحّ أن الكميات الإجمالية متوافرة، يبقى السؤال الأهم: لماذا لا يشعر بها جزء من الفلاحين؟ هنا تظهر فرضيات عملية لا تتناقض بالضرورة مع نفي “العجز الكلي”: مثل ضعف التنسيق بين المخازن ونقاط الصرف، أو بطء الدورة الإدارية، أو غياب آلية شفافة تُظهر للفلاح أين تتوافر التقاوي ومتى تصل، أو اختلاف معايير الصرف من جمعية لأخرى. في هذه الحالة يصبح “التوافر على الورق” غير كافٍ، لأن الزراعة لا تنتظر، والمزارع يتعامل مع نافذة زمنية ضيقة وحساسة.

 

أسباب الخلل المحتملة: التوقيت والتمويل والرقابة وسلسلة الإمداد

 

تاريخيًا، تتأثر سوق التقاوي في مصر بعدة حلقات إذا ضعفت حلقة واحدة اختنق المسار كله. من هذه الحلقات الاستيراد لبعض المحاصيل، وتدبير العملة، وإجراءات الحجر والاعتماد، ثم النقل والتوزيع. وفي محاصيل أخرى تعتمد أكثر على الإنتاج المحلي، يصبح التحدي في توسيع الإكثار المحلي، وتحسين الجودة، وضمان نقاء الأصناف، ومنع التسرب إلى السوق غير الرسمية.

 

وتُظهر تقارير عن بعض القطاعات الزراعية، مثل ملف تقاوي البطاطس، أن حركة الاستيراد والتوريد والمتابعة موضوع شديد الحساسية ويتغير مع ظروف السوق وإجراءات الجهات المعنية.

 

هذا المثال يوضح الفكرة العامة: أي اهتزاز في الحلقة اللوجستية أو التمويلية أو التنظيمية ينعكس سريعًا على المزارع، حتى لو كانت السياسة الرسمية “توفير” لا “منع”.

 

أما الرقابة، فهي قلب الأزمة عند كثير من الفلاحين: عندما تغيب الرقابة الفعالة عن الأسواق الموازية، تنتشر التقاوي الرديئة، وعندما لا تُعلن نتائج الفحص والتحاليل وآليات الشكاوى بوضوح، يشعر المزارع أنه وحده في مواجهة الخسارة. وفي النهاية، تتحول التقاوي من “مدخل إنتاج” إلى “مقامرة” لا ينبغي أن تكون موجودة أصلًا في قطاع استراتيجي.

 

واخيرا فان أزمة التقاوي ليست سؤالًا عن وجود السلعة من عدمه فقط، بل سؤال عن عدالة التوزيع، وسرعة الوصول، وضمان الجودة، وقدرة الدولة على سد الفجوة بين التصريحات العامة وتجربة الفلاح اليومية. إن كانت التقاوي متوافرة كما تقول الجهات الرسمية، فالأولوية تصبح لإصلاح مسار التوزيع والشفافية والرقابة حتى يصل أثر التوافر إلى الحقل لا إلى البيان. وإن كانت الشكاوى تعكس نقصًا فعليًا في مناطق بعينها، فالمطلوب تدخل سريع يضمن التوريد في الوقت المناسب ويحاصر السوق غير الرسمية قبل أن تبتلع الموسم. وفي الحالتين، الحل يبدأ من الاعتراف بأن نجاح منظومة التقاوي يُقاس بما يصل للفلاح في موعده وبجودة مضمونة، لا بما هو مكتوب في السجلات.