شهدت صادرات مصر من الحديد والألومنيوم خلال العام المنصرم تراجعًا ملحوظًا، خصوصًا مع اقتراب نهايته، وفق تصريحات صدرت عن ممثلين في غرفة الصناعات المعدنية التابعة لـ اتحاد الصناعات المصرية. حسن المراكبي أرجع التراجع بالأساس إلى عاملين خارجيين متزامنين: تشدد الرسوم الأميركية على منتجات المعادن في عهد دونالد ترامب، إلى جانب القيود الأوروبية المرتبطة بنظام الحصص.
هذا التراجع لا ينعكس فقط على أرقام التصدير، بل يضغط على سلسلة كاملة تمتد من المصانع إلى سلاسل الإمداد والعمالة، في وقت تبحث فيه الصناعة عن أسواق بديلة للحفاظ على دوران خطوط الإنتاج وتحقيق تدفقات نقدية مستقرة.
الرسوم الأميركية والكوتا الأوروبية: صدمة مزدوجة على منافذ التصدير
بحسب ما نُقل عن المراكبي، أدى رفع الرسوم على واردات المعادن في الولايات المتحدة الأمريكية إلى تقليص جاذبية المنتج المصري هناك، لأن أي زيادة جمركية كبيرة تُترجم فورًا إلى ارتفاع في السعر النهائي مقارنةً بمنافسين يملكون مزايا لوجستية أو اتفاقات تفضيلية أو قدرات إنتاج ضخمة.
وعلى الجبهة الأخرى، جاءت “الكوتا الأوروبية” لتضيف طبقة جديدة من القيود؛ فبدل أن يكون التحدي محصورًا في السعر، أصبحت هناك حدود كمية وإجراءات تتعلق بالدخول للسوق، ما يقلل المرونة أمام المصدر المصري ويجعل الشحنات عرضة لمخاطر إضافية عند امتلاء الحصص أو تعقد إجراءات التخليص.
هذه الصدمة المزدوجة تفسر لماذا كان التراجع أشد وضوحًا في الفترة الأخيرة من العام: القرارات التجارية عندما تتزامن مع تشبع حصص الاستيراد في الأسواق الكبرى أو مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، تصبح آثارها مضاعفة، وتدفع الشركات إلى تقليص التعاقدات أو إعادة توجيهها إلى وجهات أقل تعقيدًا.
خريطة الأسواق البديلة: بحث عن منافذ أقل قيودًا وأكثر استقرارًا
رغم الضغوط، تشير التصريحات نفسها إلى أن الصناعة لم تقف دون بدائل. فالمراكبي لفت إلى أن التصدير يتجه بصورة أكبر نحو أمريكا الجنوبية بوصفها نطاقًا مهمًا للطلب، إلى جانب أسواق في شمال إفريقيا وبعض دول الخليج وعلى رأسها السعودية.
غير أن التحول نحو أسواق بديلة لا يحدث بلا تكلفة. فأسواق بعيدة تعني عادةً تكاليف شحن أعلى وحاجة إلى شبكات توزيع أقوى، كما أن متطلبات المواصفات قد تختلف من سوق لآخر، ما يفرض على الشركات تطوير منتجاتها أو مرونتها التسعيرية. كذلك فإن الاعتماد على أسواق متنوعة يحتاج تمويلًا تجاريًا وتأمينًا على الصادرات وقدرة على إدارة مخاطر تقلبات الطلب.
ومع ذلك، قد يحمل هذا التحول جانبًا إيجابيًا: تقليل الاعتماد على سوق أو اثنتين يجعل الصناعة أقل هشاشة أمام قرارات حمائية مفاجئة. لكن نجاح هذا المسار يتطلب سياسة تصديرية مساندة، تشمل دعم المشاركة في المعارض، وتطوير اتفاقات لوجستية، وتقديم خدمات معلومات سوقية تساعد المصانع على اختيار المنتجات الأنسب لكل وجهة بدل تصدير نفس السلع بنفس النموذج.
الألومنيوم بين نقص الخام وتحدي الاستمرارية: الخردة والاستيراد كحلول اضطرارية
إلى جانب صدمة الأسواق الخارجية، تواجه صناعة الألومنيوم تحديًا داخليًا مرتبطًا بتوافر الخام. خالد القط أوضح أن نقص خام الألومنيوم دفع القطاع إلى الاعتماد على الخردة والاستيراد، مع دور متزايد لمسابك صهر الألومنيوم في إعادة التدوير والمعالجة لتعويض جزء من الفجوة.
هذا المسار يضمن استمرار الإنتاج لكنه ليس حلًا بلا ثمن. فالخردة تختلف في جودتها وتركيبتها وتتطلب فحصًا ومعالجة دقيقة للحفاظ على مواصفات المنتج النهائي، كما أن الاستيراد يعرّض الشركات لمخاطر سعر الصرف وتذبذب الأسعار العالمية وتكاليف الشحن. وفي بيئة تنافسية، أي ارتفاع في تكلفة المدخلات يضعف القدرة على التسعير في أسواق التصدير، خصوصًا مع القيود الجمركية والحصص التي تفرض أصلًا ضغطًا على هوامش الربح.
وبالتالي، تصبح أزمة الخام عاملًا إضافيًا يفاقم أثر القيود الخارجية: فالصناعة تتلقى ضغطًا من جهة السوق وضغطًا من جهة المدخلات في الوقت نفسه، ما يفسر اتساع الحديث عن ضرورة إعادة ترتيب سلاسل التوريد المحلية وتشجيع التدوير المنظم وتحسين كفاءة جمع الخردة ومعالجتها.
واخيرا فان تراجع صادرات الحديد والألومنيوم لا يبدو حدثًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لتغيرات في السياسات التجارية العالمية وتشدد أدوات الحماية في أسواق كبرى، بالتوازي مع تحديات داخلية تخص مدخلات الإنتاج في الألومنيوم.
والاستجابة الأكثر واقعية لا تتوقف عند الشكوى من الرسوم والكوتا، بل تتطلب مسارًا متكاملًا: تنويع الأسواق مع رفع القيمة المضافة للمنتجات، وتحسين الجاهزية للامتثال لمتطلبات كل سوق، وتخفيف حساسية الصناعة لتقلبات الخام عبر تدوير أكثر كفاءة وسلاسل إمداد أكثر استقرارًا. بهذه المقاربة فقط يمكن للصناعات المعدنية أن تحوّل الضغوط الحالية إلى فرصة لإعادة تموضع، بدل أن تتحول القيود الخارجية ونقص المدخلات إلى مسار طويل من الانكماش.

