بعد معاناة امتدت لأشهر طويلة خارج الوطن، وصل مساء أمس الإثنين عدد من المرضى الفلسطينيين العائدين إلى قطاع غزة عبر معبر رفح البري، في رحلة وُصفت بالقاسية والمرهقة، استغرقت نحو 19 ساعة متواصلة، تخللتها إجراءات تفتيش مشددة وانتظار طويل، إضافة إلى خضوع بعض العائدين للتحقيق من قِبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، في مشاهد أعادت للأذهان واقع الإذلال اليومي الذي يعيشه الفلسطينيون حتى في أكثر لحظاتهم الإنسانية هشاشة.

 

وتمكن 12 مريضًا فقط، برفقة عدد من المرافقين، من العودة إلى داخل القطاع، بعد فتح جزئي لمعبر رفح والسماح بمرور دفعة محدودة، بينما أُجِّلت عودة العشرات من المرضى الآخرين رغم جاهزيتهم للسفر.

 

بداية الرحلة قبل الفجر

 

تقول هدى القرا (57 عامًا)، من سكان وسط خانيونس، إن رحلة العودة بدأت في تمام الساعة الثالثة فجرًا، حيث تجمع نحو 50 مريضًا مع مرافقيهم استعدادًا للعبور.

 

وأوضحت أن العائدين جرى توزيعهم على أربعة أوتوبيسات، إلا أن سلطات الاحتلال سمحت بمرور أوتوبيس واحد فقط، ضم 12 مريضًا جميعهم من النساء وكبار السن والأطفال، بينما أُبلغ الباقون بتأجيل عبورهم إلى اليوم التالي دون تقديم أسباب واضحة.

 

وتصف القرا الرحلة بأنها «طويلة وشاقة ومهينة»، مؤكدة أنه لم يُسمح لهم بحمل أكثر من حقيبة صغيرة تحتوي على ملابس فقط، فيما تمت مصادرة باقي الأمتعة على الجانب المصري، بذريعة التعليمات الأمنية المفروضة.

 

وأضافت أنها غادرت قطاع غزة في ديسمبر 2023 لتلقي العلاج من أمراض مزمنة في المستشفيات المصرية، قبل أن يُغلق معبر رفح بشكل كامل عقب سيطرة جيش الاحتلال عليه في مايو 2024، لتبقى عالقة خارج القطاع لأشهر طويلة في انتظار لحظة العودة.

 

«المرور كان جحيمًا»

 

من جهتها، روت صباح الرقب (33 عامًا) تفاصيل أكثر قسوة عن الرحلة، موضحة أنها كانت ترافق والدتها المريضة في رحلة علاج خارج غزة منذ أكثر من عام ونصف. وأشارت إلى أن المعاملة في الجانب المصري كانت إنسانية ومحترمة، إلا أن الإجراءات طالت بشكل كبير بسبب ما وصفته بـ«المماطلات الإسرائيلية»، إضافة إلى مصادرة معظم الأمتعة الشخصية.

 

وأكدت الرقب أن الجانب الفلسطيني سهّل إجراءات الدخول، لكن العبور عبر الحاجز الإسرائيلي كان التجربة الأصعب، قائلة: «المرور هناك كان جحيمًا حقيقيًا».

 

وأضافت أن جنود الاحتلال اقتادوها مع والدتها المريضة وامرأة فلسطينية أخرى، حيث جرى عصب أعينهن وتقييد أيديهن بسلاسل حديدية، قبل إخضاعهن لتحقيق ميداني في مكان مفتوح، وسط حالة من الخوف والضغط النفسي الشديد.

 

تحقيق وإهانات وابتزاز

 

وأوضحت صباح الرقب أن الفلسطينيين يخضعون لتفتيش أمني إسرائيلي صارم عبر نقطة أقامها جيش الاحتلال بالقرب من معبر رفح من الجهة الفلسطينية، وهي نقطة مزودة بأجهزة استشعار وكشف معادن، ويتم فيها فحص كل شخص على حدة.

 

وتابعت: «سألونا عن أمور لا علاقة لنا بها، عن المقاومة والسلاح، وأهانونا بشكل متعمد. كنت خائفة جدًا ولا أعرف كيف أتصرف». وأشارت إلى أن جنود الاحتلال حاولوا ابتزاز المرأة الثالثة، مطالبين إياها بالتعاون معهم وتقديم معلومات، لكنها أكدت لهم مرارًا أنها لا تعرف شيئًا.

 

وبحسب الرقب، استمر احتجاز النساء الثلاث نحو ثلاث ساعات، تعرضن خلالها لتعذيب نفسي وضغوط متواصلة، قبل أن يُفرج عنهن ويُسمح لهن بالعبور مع بقية العائدين. وأضافت: «الحمد لله وصلنا أخيرًا واجتمعنا مع العائلة بعد طول انتظار وعذاب خلال الحرب».

 

استمرار حركة المرضى رغم القيود

 

وفي سياق متصل، غادرت صباح اليوم الثلاثاء الدفعة الثانية من المرضى المسافرين عبر معبر رفح، حيث خرج 45 مريضًا و90 مرافقًا من مستشفى الأمل التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في خانيونس، لبدء رحلة علاج خارج قطاع غزة، وسط آمال بأن تتم الإجراءات بسلاسة أكبر.

 

ويأتي ذلك بعد نحو عام ونصف العام من الإغلاق الكامل لمعبر رفح من قِبل جيش الاحتلال، قبل أن تعيد إسرائيل فتحه مؤخرًا بشكل محدود وفي الاتجاهين، لدخول وخروج الفلسطينيين. وكانت أولى الدفعات التي عبرت أمس تضم أقل من عشرة مرضى فقط، رغم أن التفاهمات المعلنة تنص على مرور 50 شخصًا في كل اتجاه.