انتهت أزمة «محاميّ النزهة» شكليًا بقرار نيابة استئناف القاهرة إخلاء سبيل المحامين المتهمين، بعد تحقيقات مطوّلة باتهامات وصلت إلى «إهانة السلطة القضائية والتعدي على موظف عام أثناء تأدية عمله»، أعقبها تحرك من نقيب المحامين عبد الحليم علام، ولقاءات مع النيابة العامة توّجت بإعلان النقابة «انتهاء الأزمة».

 

لكن مشهد الإفراج لم يُنهِ الغضب في أوساط المحامين، بل بدا للكثيرين أشبه بـ«تسوية فوقية» جرى فيها إنقاذ الزملاء من الحبس، مقابل تمرير رواية تُخفف المسؤولية عن ممثلي النيابة، وتُلقي بظلال الشك على سلوك المحامين أنفسهم، خصوصًا بعد بيان النقابة الذي أشاد بـ«حياد» التحقيقات، وتحدّث عن «تجاوزات» رصدتها الكاميرات ستكون محل نظر وتأديب داخل النقابة، دون أن يوضح بجلاء موقع وكلاء النيابة من دائرة الاتهام.

 

وبين تجمّع المحامين أمام مكتب النائب العام في الرحاب، ومطالبهم بندب قاضٍ مستقل والتحفظ على كاميرات المراقبة والتحقيق مع وكيل النيابة بوصفه متهمًا، وبين خطاب النقابة الذي بدا مهادنًا، تحوّلت أزمة النزهة إلى مرآة لخلل أعمق في العلاقة بين جناحي العدالة: سلطة اتهام تتصرف أحيانًا كطرف فوق المساءلة، ومهنة دفاع تشعر أن نقابتها لم تعد في صفها بالقدر الكافي.

 

 

إخلاء سبيل بثمن سياسي: هل دُفع من رصيد كرامة المحاماة؟

 

تبدأ القصة من مشادة داخل نيابة النزهة بمحكمة مصر الجديدة أثناء تأدية المحامين عملهم، تطورت – بحسب روايات متطابقة من شهود ومحامين – من تعنت من أفراد الحرس، إلى اعتداء جسدي ولفظي من قِبل أحد أعضاء النيابة على محامين، قبل أن تنقلب الطاولة فجأة ويُحتجز ثلاثة من المحامين، ويُحرَّر ضدهم محضر باتهامات ثقيلة: «إهانة السلطة القضائية» و«التعدي على موظف عام».

 

مع انتشار تفاصيل الواقعة على منصات التواصل، تحركت جموع من المحامين إلى سراي النيابة ثم إلى مكتب النائب العام بالرحاب، مطالبين منذ اللحظة الأولى بحدّ أدنى من العدالة:

 

  • ندب قاضٍ مستقل للتحقيق.
  • التحفظ على كاميرات المراقبة داخل سراي النيابة.
  • اعتبار وكيل النيابة المشكو في حقه طرفًا متهمًا لا خصمًا وحكمًا في الوقت نفسه.

 

إلا أن الطريقة التي أدارت بها النقابة العامة الملف فجّرت تساؤلات حادة: بيان يشكر نيابة الاستئناف على «الحياد التام»، وتسريبات صحفية عن زيارة نقيب المحامين لمقر النيابة وتقديم اعتذار شفهي لأعضائها، وهي رواية نفاها لاحقًا مقربون من النقيب، بينما تحدّث آخرون عن «جلسة مودة» و«صلح» لا اعتذار.

 

هنا تحديدًا انفجر غضب المحامين: فحتى إذا ثبت أن بعض الزملاء أخطأوا أو تجاوزوا، فالمبدأ الذي تشبث به كثيرون هو أن النقابة لا تعتذر كمؤسسة لسلطة الاتهام، بل تحاسب أفرادها داخليًا وتحمي كيانها وكرامة من تمثلهم. اعتذار النقابة – أو حتى قبوله ضمنيًا – يعني في نظر معارضيه سابقة خطيرة تُحوّلها من كيان مهني مستقل إلى طرف «يُدان ويعتذر» بدلًا من أن يُفاوض ويدافع عن أعضائه. 

 

فيديوهات وكاميرات وشهود.. فلماذا بقي وكيل النيابة فوق دائرة الاتهام؟

 

اللافت في شهادات النقابيين أنفسهم أن مكتب النائب العام اطّلع – وفق ما قاله أمين النقابة محمود الداخلي – على فيديوهات تُثبت أن بداية الشرارة كانت من جانب أحد أعضاء النيابة والحرس، بتعنت وتجاوز لفظي وجسدي، قبل أن ينزلق بعض المحامين إلى رد فعل غاضب غير منضبط.

هذه الصراحة أعادت طرح السؤال من جديد: إذا كانت الكاميرات قد وثّقت «تجاوزات متبادلة» كما جاء في روايات مجلس النقابة، فلماذا تحوّل المحامون وحدهم تقريبًا إلى متهمين رسميين؟ ولماذا لم يعلن عن فتح تحقيق موازٍ مع وكيل النيابة أمام التفتيش القضائي؟

 

ما يزيد الريبة أن مطالب المحامين في وقفتهم أمام مكتب النائب العام كانت واضحة ومحددة:

 

  • تحييد النيابة عن التحقيق في اتهامات موجهة لأحد أعضائها، بندب قاضٍ مستقل.
  • الحفاظ على كاميرات المراقبة وعدم العبث بها.
  • إرسال رسالة بسيطة: «من أخطأ يُحاسب، أيا كان موقعه».

 

لكن ما رشح من كواليس التحقيقات وبيان النقابة يعطي انطباعًا مقلقًا بأن كفة الاتهام مالت بسرعة نحو المحامين، بينما تُركت مسؤولية وكلاء النيابة للحوار الهادئ بين المؤسسات، بعيدًا عن أي مساءلة علنية. الخطير هنا ليس الواقعة ذاتها بقدر ما تكشفه من عدم مساواة بنيوية:

 

  • حين يخطئ محامٍ، يُواجه فورًا باحتمال الحبس والاتهام بـ«إهانة السلطة القضائية».
  • وحين يخطئ وكيل نيابة، تتحول المطالبة بمساءلته نفسها إلى «تصعيد غير مقبول» أو «محاولة لافتعال صدام مؤسسي».

 

بهذا المعنى، لا يشعر كثير من المحامين أن إخلاء سبيل زملائهم انتصار كامل، بل تسوية تُخرجهم من الزنزانة، لكنها لا تقترب جديًا من أصل المشكلة: العدالة يجب أن تُطبّق على الطرفين، لا أن تظل سيفًا مرفوعًا على رقبة طرف واحد فقط.

 

أزمة تتكرر: جناحا العدالة في صدام دائم والنقابة في اختبار وجودي

 

أحد أخطر أبعاد أزمة «محاميّ النزهة» أنها ليست واقعة معزولة؛ بل حلقة في سلسلة طويلة من الاشتباكات بين المحامين من جهة، والقضاة وأعضاء النيابة والحرس من جهة أخرى. قبل أشهر فقط

شهدت محكمة حلوان أزمة اعتداء على محامية انتهت بوقف فرد الأمن عن العمل، وقبل عامين لوّحت النقابة بتعليق العمل أمام المحاكم والنيابات احتجاجًا على حبس عدد من المحامين في مطروح، ثم جرى احتواء الموقف بتسويات جزئية.

 

النمط واحد تقريبًا:

 

  • تجاوز من جانب عنصر في السلطة (قاضٍ، وكيل نيابة، فرد أمن).
  • رد فعل غاضب من محامين يشعرون بالإهانة داخل «بيت العدالة» نفسه.
  • حشد واعتصام وبيانات ساخنة.
  • ثم مفاوضات خلف الأبواب المغلقة تنتهي بـ«تهدئة»، غالبًا على حساب فتح تحقيق شفاف ومعلن مع الطرف الأقوى داخل المنظومة.

 

في قلب هذا كله تقف نقابة المحامين أمام اختبار وجودي: هل هي درع صلب لمهنة الدفاع، أم مجرد وسيط وظيفته احتواء غضب الأعضاء ومنع احتكاك حقيقي مع مؤسسات الدولة؟ طريقة إدارة عبد الحليم علام للأزمة – من البيان الذي فهمه كثيرون باعتباره إدانة ضمنية لزملائه، إلى زيارته للنيابة في غياب رسائل حاسمة عن مساءلة وكلاء النيابة – عمّقت الشكوك بدل تبديدها.

 

قد يكون خروج المحامين «مكرمين ومعززين» من مقر النيابة، كما قيل في بعض التصريحات، إنجازًا على مستوى اللحظة، لكنه لا يمحو إحساسًا متزايدًا لدى قطاع واسع من المحامين بأن كرامتهم المهنية مهددة، وأن ميزان العدالة مختل، وأن النقابة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تنحاز بوضوح إلى استقلالها واستقلال أعضائها، لا أن تكتفي بدور شاهد حسن النية في نزاعات غير متكافئة.

 

أزمة النزهة، بهذا المعنى، لم تنتهِ حقًا؛ ما انتهى فقط هو محضر النيابة المؤقت. أمّا السؤال الأخطر – كيف نضمن مساواة حقيقية بين جناحي العدالة، وكيف تستعيد نقابة المحامين ثقة قواعدها وتفرض احترام أعضائها داخل المحاكم والنيابات – فما زال مفتوحًا، وسيظل يفرض نفسه في كل واقعة قادمة، ما دام أصل الداء لم يُعالَج بعد.