في يوم برلماني ساخن، وافقت اللجنة التشريعية بمجلس النواب من حيث المبدأ على تعديلات قانون الكهرباء التي تغلّظ عقوبات سرقة التيار، لتصل الغرامات إلى ما بين 100 ألف ومليون جنيه، مع الحبس الإلزامي ومضاعفة العقوبة في حالة التكرار، مع استحداث مسار للتصالح.

 

لكن ما كان يُفترض أن يكون “قانونًا فنيًا” لضبط الفاقد في الشبكة، انقلب إلى عنوان لغضب متصاعد، بعدما خرج حتى إعلاميون ونواب محسوبون تقليديًا على معسكر السلطة ينتقدون التعديلات بحدة، في مقدمتهم النائب والإعلامي مصطفى بكري الذي قال إن هذه العقوبات “هتسجن تلت الشعب” في مداخلة على الهواء .

 

 

...

 

 

بالتوازي، قدّم وزير الشؤون النيابية والقانونية محمود فوزي رواية الحكومة عن التعديلات، معتبرًا أن “المواطن الملتزم بسداد استهلاك الكهرباء يعد مواطنًا صالحًا”، وأن الهدف هو تقليل الفاقد الذي يصل إلى 20% من الإنتاج، نصفه تقريبًا بسبب السرقة.

 

وبين خطاب “المواطن الصالح” وصرخة “هيسجن نص مصر”، تتكشف معركة أوسع حول معنى العدالة الاجتماعية، وحدود سلطة الدولة في معاقبة الفقراء بدل معالجة جذور الأزمة.

 

عقوبات بالمليون وحبس إلزامي: قانون يُعامل الفقر كجريمة

 

التعديلات الجديدة على قانون الكهرباء الصادر عام 2015 والمعدل في 2020 لا تكتفي بتشديد العقوبات، بل تغيّر فلسفة التعامل مع ملف التيار تمامًا. فالمواد المقترحة ترفع عقوبة من يسهل توصيل الكهرباء أو يمتنع عمدًا عن تقديم الخدمة، إلى الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن 100 ألف ولا تزيد على مليون جنيه، مع إلزام المحكوم عليه برد مثلي قيمة استهلاك التيار والتعويض عن إعادة الشيء لأصله، ومضاعفة العقوبة في حالة العود.

 

أما من “يستولي بغير حق على التيار”، فالعقوبة المقترحة أيضًا الحبس لمدة لا تقل عن سنة وغرامة بين 100 ألف ومليون جنيه، ترتفع إلى حبس لا يقل عن سنتين وغرامة من 200 ألف إلى مليوني جنيه إذا تمت السرقة عبر تدخل عمدي في معدات الشبكة أو نتج عنها انقطاع التيار، مع إمكانية السجن إذا أدى الفعل لانقطاع واسع.

 

الحكومة تروّج لمسار “التصالح” باعتباره الجانب المرن في التعديلات؛ إذ تسمح المادة الجديدة (71 مكررًا) بالتصالح قبل الدعوى الجنائية مقابل دفع قيمة الاستهلاك، أو مثلي القيمة أثناء نظر الدعوى، أو ثلاثة أمثالها بعد الحكم البات. لكن السؤال البديهي الذي يطرحه حتى نواب داخل اللجنة: من لا يستطيع دفع فاتورة الكهرباء أصلًا، كيف سيدفع 100 ألف أو مليونًا أو “مثلي وثلاثة أمثال” استهلاك مزعوم؟

 

الوزير محمود فوزي يختزل القضية في معادلة “مواطن صالح يدفع، ومواطن مخالف يُعاقَب”، مؤكدًا أن الهدف هو تقليل الفاقد الذي يقدَّر بنحو 20%، نصفه لأسباب فنية والنصف الآخر سرقات، لكن هذا الخطاب يتجاهل عن عمد حقيقة أن ملايين المصريين يعيشون بين عشوائيات ومبانٍ غير مرخصة، بلا مسار قانوني واضح للحصول على عداد رسمي.

 

بمعنى آخر، الدولة التي فشلت في تخطيط العمران، وفشلت في توفير عداد قانوني وسكن آمن، تعود اليوم لتُجرّم ما خلقته بيديها، ثم ترفع شعار “حماية أموال الشعب” بينما تُلقي بالفقراء في فم الحبس والغرامات الخيالية.

 

تمرّد من داخل “المعبد”: نواب وإعلاميون يواجهون فلسفة العقاب الجماعي

 

اللافت في هذه الجولة أن الاعتراض لم يأت فقط من أصوات معارضة تقليدية، بل من قلب المشهد الرسمي نفسه. تسعة نواب رفضوا مشروع التعديل خلال اجتماع اللجنة التشريعية، مقابل 12 وافقوا عليه من حيث المبدأ، في انقسام نادر داخل لجنة اعتادت تمرير مشروعات الحكومة بسهولة.

 

النائب محمد عيد محجوب، رئيس اللجنة، طالب بحضور وزير الكهرباء ببيانات واضحة قبل استكمال مناقشة المواد، بينما تساءل النائب ضياء الدين داود عن جدوى العودة لتغليظ العقوبة بعد أن فعل القانون نفسه في 2015 ثم عدّل في 2020 دون تقييم حقيقي للأثر التشريعي.

 

داود ذكّر بحقيقة أن المصريين دفعوا ثمن محطات “سيمنز” وغيرها من خلال القروض وتحمل تبعاتها، وأن ما يجري اليوم ليس مجرد مسألة فنية، بل “سياسة” تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن: من شريك تحمّل أعباء بناء الشبكة، إلى متهم محتمل مع كل لمبة مضاءة.

 

مصطفى بكري، الذي نادرًا ما يقف في صف منتقدي الحكومة، قالها بوضوح: القانون يساوي بين “اللي ساكن في عشة” و”صاحب المصنع وساكن الكومباوند”، متسائلًا: “تلت الشعب تحبسه إزاي؟ مين اللي يقدر يدفع 100 ألف جنيه؟”، في مداخلة نقلها أيضًا موقع “الشروق”.

 

 

ولم يختلف المذيع عمرو أديب كثيرًا، حين علّق ساخرًا: “قانون الكهرباء ‘عَبَرَ’ وشكله هيتوافق عليه وندخل الناس السجن، أنا مش فاهم الحكومة بتعمل كل ده ليه؟”، متسائلًا إن كانت الدولة قد وفرت أصلاً العدادات القانونية قبل أن تُجرّم من اضطروا لـ“التوصيلة” العشوائية.


 

نواب آخرون، مثل عاطف مغاوري (حزب التجمع) وعمر علي (حماة الوطن)، حذّروا من أن مناقشة مشروع بهذه الروح في بداية الفصل التشريعي “فأل غير حسن”، وعبّروا عن رفضهم لعقلية “التغليظ قبل العلاج”، خاصة في ظل شركات كهرباء احتكارية تفرض أسعارها وشروطها على مواطن لا يملك بديلاً.

 

هكذا وجد المواطن نفسه أمام مشهد غريب: نواب وإعلاميون محسوبون على النظام يتحدثون بلغة الشارع الغاضب، بينما تصرّ الحكومة على خطاب “حماية المرفق” وتجاهل الأسئلة السياسية والاجتماعية التي تفجّرها هذه العقوبات.

 

غضب الشارع وبدائل مهملة: من سخرية “السجون” إلى وصفة ممدوح حمزة

 

على السوشيال ميديا، انفجرت موجة من السخرية المرة والغضب الصريح. ناشطة كتبت: “الآن عرفنا سبب بناء السجون بهذه الكثرة! أهم شئ السجون ، أهم من المستشفيات و المدارس و قبلها اهم من توفير الكهرباء بشكل عادل! ادفع الجباية والا الفلقة بإنتظارك قارقوش فكرة و الفكرة لا تموت”

 

 

مستخدم آخر علّق: “وأومال السيسي هيشغل اﻷقسام والنيابات والمحاكم إللي بناها جديدة ازاي!؟”

 

 

وكتب أيمن أن هذه القوانين ليست معزولة عن السياق السياسي الذي جاء بمجلس نواب “على الفرازة”، أفرز في أسابيعه الأولى سيلًا من القوانين الجبائية: “#الضريبة_العقارية #ضريبة_المحمول #قانون_الكهرباء دا لسة في أول شهر وما دخلناش على الثقيل من توطين #اللاجئين و(دستور) يا اسادنا وبيع أصول وكدا يعني”

 

أما طارق فذهب مباشرة إلى قلب “التابو العسكري”: “الجيش مش مهتم ببكري أو بالشعب. الجيش سكنهم إداريا و معفيا من فواتير الكهرباء و خلافه. مشكلة مصر أن شعبها جاهلا مغيبا لا يعرف شيئا عن بلده مصرا و لا يعرف شيئا عن جيشه”

 

في خلفية هذا الغضب، برزت تغريدة للمهندس والاستشاري ممدوح حمزة قدّم فيها حزمة من “الأفكار لتحسين معيشة الشعب” من اتجاه معاكس تمامًا لفلسفة القانون: إلغاء الضريبة العقارية على السكن الخاص، إلغاء ضريبة المحمول للمغتربين، تخفيض 20% من فواتير الكهرباء و30% من فواتير المياه، تخفيض تذاكر النقل العام، إعادة بطاقة التموين، دعم الجمعيات التعاونية، منع أي صور لجمع الأموال في التعليم، إعادة جدولة الديون، استعادة مناجم الذهب، ورفع الجمارك 500% على السلع المتوفرة محليًا… إلخ.

 

بعض الآراء لتحسين معيشة الشعب

إلغاء ضريبة العقارات علي السكن الخاص
إلغاء ضريبة المحمول للمغتربين
تخفيض ٢٠٪ من فواتير الكهرباء
تخفيض تذاكر النقل العام مما جميعه
اعادة بطاقة التموين
تخفيض ٣٠٪ علي فواتير المياه
عوده ودعم الجمعيات التعاونية الاستهلاكية
إلغاء اي صوره من صور جمع…

هذه المقترحات – سواء اتفقنا معها أو اختلفنا – تكشف الفارق بين من يفكر في تخفيف الضغط عن مواطن مخنوق، ومن لا يرى أمامه إلا نصوصًا عقابية وأرقام غرامات بالملايين.

 

في النهاية، ما يثير الفزع في تعديلات قانون الكهرباء ليس مجرد تشديد عقوبة سرقة التيار، بل العقلية التي تقف وراءها: دولة تتجاهل جذور الأزمة – الفقر، والعشوائية، وسوء الإدارة، والفساد، وغياب المنافسة والشفافية – ثم تختزل الحل في معادلة بسيطة وقاسية: مزيد من الحبس، مزيد من الغرامات، ومزيد من تحميل المجتمع تكلفة سياسات لم يكن شريكًا في صنعها.

 

القانون لا يزال في طور المناقشة، لكن النقاش الذي فتحه في الشارع والبرلمان والإعلام أوضح من نصوصه: المصريون سئموا سياسة “الجباية بالعقاب”، ويريدون دولة تعالج المرض بدل أن تسجن المريض.