رغم الهدنة المعلنة، تعود رائحة البارود إلى شمال شرق سوريا مع تصاعد التوتر بين قوات سوريا الديمقراطية "قسد" وقوات النظام السوري، وسط تبادل الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار، واستخدام المدنيين كورقة ضغط في لعبة معقدة تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية.
في الوقت نفسه، تشهد الحدود التركية ـ السورية تشديدًا أمنيًا لافتًا، بعد محاولات عبور مناصرين للأكراد، دفعت أنقرة إلى حظر التظاهرات المؤيدة لهم قرب الشريط الحدودي، في رسالة واضحة برفض أي تمدد سياسي أو رمزي لقسد وحلفائها.
في هذه اللوحة المتشابكة، تبدو قسد في قلب العاصفة: متهمة بمواصلة نهجها الأحادي في فرض الأمر الواقع واحتكار القرار في مناطق سيطرتها، فيما يتعامل النظام مع التصعيد كفرصة لاستنزاف خصومه وابتزاز المجتمع الدولي.
أما تركيا، فتستثمر اللحظة لتأكيد خطوطها الحمراء تجاه أي مشروع كردي مسلح على حدودها، ولو على حساب مزيد من التضييق على الاحتجاجات والفعاليات الشعبية داخل أراضيها.
قسد بين خطاب “الحماية” وممارسات “الهيمنة”
تقدّم قسد نفسها بوصفها قوة "تحارب الإرهاب" وتحمي الأقليات وتدافع عن مشروع "الإدارة الذاتية"، لكن واقع الميدان يكشف وجهًا آخر أكثر خشونة، خاصة في لحظات التوتر العسكري.
فمع كل جولة تصعيد، تتجدد شكاوى السكان من الاعتقالات التعسفية، والتجنيد الإجباري للشبان، والتضييق على الأصوات المعارضة لسياسات الإدارة الذاتية، ما يحوّل شعار "الحماية" إلى غطاء لهيمنة سياسية وأمنية.
خرق الهدنة، أو التلاعب بهامشها، يأتي غالبًا على شكل تحركات عسكرية محسوبة أو عمليات أمنية تستفز الطرف الآخر، ثم تُبرَّر بأنها “دفاع عن النفس” أو “رد على استفزاز من قوات النظام”.
لكن النتيجة على الأرض واحدة: توتير الأجواء، وإعادة عسكرتها، وتعريض المدنيين للخطر المباشر.
بدل أن تستثمر قسد أي هدنة لتخفيف القبضة الأمنية وتحسين أوضاع الناس، تتحول فترات الهدوء النسبي إلى فرصة لترتيب بيتها الداخلي على مقاسها، وتصفية خصومها المحليين.
كما أن مشروعها السياسي، الذي يرفع شعارات الديمقراطية وحقوق المرأة والتعددية، يعاني تناقضًا صارخًا حين يُترجم إلى ممارسات إقصائية بحق قوى سياسية كردية وعربية مختلفة معها، فيُمنَع نشاطها أو يُضيَّق عليها، بحجة أنها “تخدم أجندة خارجية”.
وهكذا تجد قسد نفسها في ميدان تتقلص فيه شرعيتها الشعبية، رغم ما تحظى به من دعم عسكري وسياسي من أطراف دولية مؤثرة.
المدنيون وقود الصراع: هدنة على الورق وحرب في التفاصيل
بالنسبة لأهالي شمال شرق سوريا، الهدنة ليست أكثر من سطر في الأخبار، سرعان ما يبتلعه دخان الاشتباكات المتقطعة وحالة الاستنفار الدائم.
فبين حواجز قسد، وحضور قوات النظام، ووجود قوات أجنبية متعددة الجنسيات، تتحول المنطقة إلى فسيفساء من مراكز النفوذ، يدفع ثمنها المواطن البسيط الذي يبحث فقط عن أمن ورغيف ودواء.
التوتر الأخير بين قسد ودمشق يكشف حجم هشاشة أي اتفاق لوقف النار ما دام يُدار كصفقة بين السلاح والسلاح، وليس كاستحقاق لحماية الناس.
الطرق قد تُغلق في لحظة، المعابر تُقيد، الأسواق تُشلّ، والتعليم والخدمات يتوقفان مع أي تصعيد، فيما تواصل الأطراف المتصارعة تبادل البيانات والاتهامات، وكأن حياة السكان مجرد تفصيل جانبي في معركة النفوذ.
الأخطر أن استمرار هذا النمط يكرّس ثقافة “اللا دولة”: لا مؤسسات موحدة، ولا مرجعية قضائية واضحة، بل سلطات متداخلة متنافسة، تقود إلى حالة فوضى مغطاة بمصطلحات سياسية رنانة.
وهنا تتحمل قسد نصيبًا كبيرًا من المسؤولية؛ فهي سلطة الأمر الواقع في مناطق واسعة، لكنها لم تقدّم نموذج حكم يخفف الاحتقان ويجعل الهدنة مطلبًا وطنيًا عامًا، بدل أن تكون مجرد ورقة تفاوضية على طاولة اللاعبين الكبار.
تركيا تشدد قبضتها على الحدود… وحدود التضامن الكردي تضيق
في الخلفية، تتحرك تركيا على خط موازٍ لا ينفصل عن المشهد العام.
فمع محاولات عبور إلى الأراضي السورية من قبل ناشطين ومناصرين للأكراد، اختارت أنقرة أن ترد بقبضة أمنية أقوى، فحظرت التظاهرات المؤيدة للأكراد قرب الحدود، ووجهت رسالة مزدوجة: لا مكان لأي نشاط قد يُنظر إليه كدعم مباشر أو غير مباشر لمشروعات قسد المسلحة على الشريط الحدودي.
هذا القرار يضيّق عمليًا هامش الحركة أمام القوى الكردية والتركية المعارضة التي تحاول التعبير عن رفضها للحرب والصراع، ويعكس في الوقت نفسه حجم القلق التركي من أي رمزية قد تعزز حضور قسد سياسيًا أو شعبيًا.
فعين أنقرة لا تكتفي بمتابعة تحصينات قسد العسكرية، بل ترصد أيضًا شعارات ومظاهرات وصور قد تُستثمر لصناعة رأي عام داعم لها.
وهكذا يجد الأكراد أنفسهم بين مطرقة ممارسات قسد داخل شمال شرق سوريا، وسندان القيود التركية على حدودها، في حين يدفع العرب في المنطقة ثمنًا مضاعفًا: من جهة سلطة أمر واقع تتصرف بمنطق الوصاية، ومن جهة أخرى حدود مغلقة وخيارات هجرة ونجاة تضيق يومًا بعد يوم.
خاتمة
ما يجري اليوم في شمال شرق سوريا هو اختبار قاسٍ لكل الأطراف: قسد التي ترفع شعارات الحرية والديمقراطية بينما تمارس سياسات الهيمنة؛ النظام الذي يتعامل مع المنطقة كمسرح لتصفية حسابات وإرسال رسائل للخارج؛ وتركيا التي تحاول ضبط حدودها بالقوة والتضييق على أي تضامن مع خصومها.
الهدنة الحقيقية لن تُقاس بعدد الأيام بلا قصف، بل بقدرة هذه القوى جميعًا على احترام حياة الناس وحقوقهم، وبناء ترتيبات سياسية وأمنية تُنهي منطق “الكانتونات المسلحة” وتحمي وحدة المجتمع السوري بتنوعه، بدل أن تكرّس انقساماته.
وحتى يتحقق ذلك، سيظل شمال شرق سوريا ساحة مفتوحة للتوتر، تدفع فيها الشعوب ثمنًا باهظًا لصراع سلطات لا تشبه شعاراتها ولا تعكس آمال من تزعم أنها تمثلهم.

