في بلدٍ لا يكفّ إعلامه الرسمي عن ترديد شعارات "الجمهورية الجديدة" و"قوة مصر الناعمة"، يأتي قرار منع كتاب "مصر بين نكستين.. نظرات في أحوال الراعي والرعية (1952–2025)" للأكاديمي وأستاذ الإعلام بجامعة القاهرة أيمن منصور ندا، من العرض داخل معرض القاهرة الدولي للكتاب، كفضيحة ثقافية مكتملة الأركان، تكشف حقيقة النظرة الرسمية للكتاب والمثقفين والرأي المخالف: الخوف والحصار والإقصاء.

 

لا يقتصر الأمر على كتاب واحد أو مؤلف واحد؛ القرار شمل كتبه غير الأكاديمية كلها، وتزامن مع منع دار المرايا للثقافة والفنون من المشاركة في المعرض للعام الثاني على التوالي، في رسالة لا لبس فيها: المعرض مفتوح للكتب المريحة للسلطة، مغلق في وجه أي قلم يجرؤ على النقد الجاد أو تفكيك بنية الاستبداد.

 

هكذا يتحول أكبر حدث ثقافي في مصر والعالم العربي إلى نسخة سياسية باهتة، تُقصى منها الكتب "المزعجة"، ويُسمح فيها بما يخدم رواية النظام ويُزيّن صورته، فيما يُدفع بالمضامين الجادة إلى الهامش أو المنافي الرقمية.


 

منع بلا قرار مكتوب: قمع ناعم يُديره هاتف

 

بحسب ما أعلن أيمن منصور ندا، تم إبلاغ الناشر شفهيا بمنع الكتاب من التداول داخل المعرض، مع تعليمات بالتخلص من النسخ المطبوعة، دون إخطار رسمي أو قرار مكتوب، ودون حتى تكلّف عناء اختراع مبرر قانوني أو مهني. هذا النمط من "الإدارة بالتلفون" ليس جديدًا؛ بل هو أحد أبرز ملامح السلطة في مصر خلال السنوات الأخيرة: قرارات تمس حرية التعبير وحقوق المواطنين، تُتخذ في الظل، بلا شفافية ولا مسؤولية.

 

يقوم الكتاب على تحليل تحوّلات مصر السياسية والاجتماعية خلال نحو 75 عامًا، من 1952 حتى 2025، عبر مقارنة بين نكسة 1967 وما يسميه المؤلف "النكسة الثانية" في الحاضر؛ أي انهيار السياسة والعقل العام تحت وطأة الاستبداد والفساد وغياب المحاسبة. مجرد هذه الفكرة كافية لتفسير الهلع الرسمي من الكتاب، فهو لا يكتفي بانتقاد بعض السياسات، بل يضع النظام الحالي في سياق تاريخي كامتداد لنسق نكسة قديمة متجددة.

 

بدل أن يرد النظام بالحجة، أو يترك المجال للنقاش العام حول أفكار الكتاب، اختار الطريق الأسهل: المنع والإخفاء.

 

لكن المفارقة أن هذا المنع لا يوقف تداول الأفكار، بل يضاعف الاهتمام بها؛ فالكتاب لا يزال متاحًا إلكترونيًا على منصات مثل "أبجد" و"أمازون – كيندل"، ومتوافر ورقيًا بشكل محدود خارج المعرض. ما يُمنَع حقيقة ليس الكتاب بقدر ما يُمنَعُ الاعتراف بحق المصريين في الوصول الحر إلى الآراء الناقدة داخل أكبر تظاهرة ثقافية في بلدهم.

 

والأهم أن استهداف ندا ليس معزولًا عن ماضيه: فهو أكاديمي عُرف بمواقفه النقدية للإعلام الرسمي والمنظومة الدعائية للنظام، وتعرض للاعتقال في أيلول/سبتمبر 2021 على خلفية آرائه، قبل الإفراج عنه بعد نحو شهرين. اليوم يُستكمَل مسار "العقاب الناعم": لا سجن، بل حصار فكري ومنع كتبه من التداول.

 

معرض كتاب أم معرض انتقاء سياسي؟ استبعاد دار “المرايا” نموذجًا

 

في الوقت الذي تُمنع فيه كتب ندا، تعلن دار المرايا للثقافة والفنون أنها مُنعت من المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب للعام الثاني على التوالي، بعد حذف اسمها من منصة التسجيل الإلكترونية دون إخطار أو تفسير. الدار ليست كيانًا مجهولًا؛ بل واحدة من الدور التي نشرت كتبًا نقدية جادة حول الاستبداد، والعدالة الاجتماعية، والتحولات السياسية والاجتماعية في مصر والمنطقة.

 

استبعاد دار نشر كاملة من المشاركة في المعرض ليس قرارًا تقنيًا أو "سوء تفاهم إداري"، بل تعبير عن سياسة ممنهجة لإعادة هندسة المشهد الثقافي:

 

  • دور نشر مستقلة مزعجة تُقصى أو تُهمَّش.
  • كتب ناقدة تُمنع أو تُحاصَر.
  • برنامج ثقافي "آمن" يتجنب الأسئلة الحقيقية عن السلطة والحقوق والحريات.

 

بهذا المعنى، لا يعود معرض القاهرة "سوقًا حرًا للأفكار"، بل معرضًا مُنتقى سياسيًا، يختار من يشارك ومن يُحذف، ومن يُسمح له بالظهور ومن يُدفع إلى العزلة، في محاولة لفرض رقابة مُسبقة على ما يقرأه الناس وما يفكرون فيه.

 

الفكرة الجوهرية هنا أن السلطة لا تريد "ثقافة حية" قادرة على مساءلتها، بل تريد "ديكورًا ثقافيًا" يُجمّل صورتها أمام الداخل والخارج: جناح ضخم، ضيف شرف، فعاليات براقة، مقابل تغييب ممنهج لتيار كامل من الكتاب والمفكرين ودور النشر التي تملك الجرأة على النقد.

 

فضيحة أخلاقية قبل أن تكون سياسية: ماذا يبقى من معرض بلا اختلاف؟

 

ردود الفعل الغاضبة على منصات التواصل الاجتماعي لم تكن مجرد تعاطف مع مؤلف أو دار نشر؛ بل تعبير عن شعور أوسع بالاختناق داخل المجال العام.

كثيرون وصفوا القرار بأنه "مؤسف ومحزن" و"صادم"، وأنه يفضح خوف السلطة من أي رأي نقدي في بلد يواجه أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، بدلاً من أن تستمع لأصحاب الخبرة والرؤى الوطنية، ولو خالفوها.

 

السؤال الذي طرحه كثيرون بمرارة: ما جدوى معرض كتاب بلا آراء مختلفة؟

ما قيمة حدث يُفترض أن يكون مهرجانًا للفكر والنقاش، بينما يُقصى منه أي كتاب يضع الواقع تحت مجهر النقد الجاد؟

كيف يمكن لسلطة تمنع كتابًا تحليليًا عن "النكسة الثانية" أن تدّعي أنها واثقة من نفسها ومن مشروعها السياسي؟

 

الأمر يتجاوز السياسة إلى أزمة أخلاقية:

 

  • حين يُقصى صاحب رأي لأنه مزعج.
  • ويُعاقَب ناشر لأنه منح مساحة لكتاب نقدي.
  • ويُختزل دور المثقف إلى مجرد شاهد زور أو مؤثث جميل لصورة رسمية مُعلّبة.

 

في مواجهة هذا الواقع، يصبح الفضاء الرقمي – كما أشار كثير من المتابعين – متنفسًا رئيسيًا لكسر الحصار: الكتب الممنوعة تُقرأ إلكترونيًا، والآراء المحجوبة تجد طريقها إلى الجمهور عبر المنصات الرقمية، والرقابة تتحول من سيف قاطع إلى عبء ثقيل على سلطة تخشى الكلمة أكثر مما تخشى الانهيار الاقتصادي.

 

مع ذلك، لا يمكن القبول بأن يتحول معرض القاهرة الدولي للكتاب إلى مناسبة رسمية باردة بلا روح، بينما تُترك الحياة الثقافية الحقيقة لتبحث عن مخارجها في الهامش والفضاء الافتراضي. فالمجتمع الذي لا يحتمل كتابًا ناقدًا، لن يحتمل في النهاية أسئلة الناس عن الخبز والحرية والكرامة.

 

في النهاية، منع كتاب أيمن منصور ندا واستبعاد دار "المرايا" من معرض القاهرة ليس حادثًا عرضيًا، بل مرآة لوضع أوسع عنوانه: نظام يخاف من الكلمة الحرة أكثر مما يخاف من الفشل والفساد والنكسة المتجددة.

 

وبين "نكسة" 1967 و"النكسة الثانية" التي يحذر منها الكتاب، يبدو أن أخطر ما يهدد مصر اليوم ليس كتابًا على رف، بل سلطة تخشى الحقيقة وتتعامل مع عقول مواطنيها كملف يجب التحكم فيه لا كشركاء في صناعة المستقبل.