في كلمته الأخيرة، بالأكاديمية العسكرية، قال قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي بثقة: «لم نستغل ملف الهجرة كأداة للمساومة مع الآخرين».

 

عبارة تبدو جميلة لو قيلت من دولة لا تربط كل خطاب خارجي تقريبًا بملف “منع المراكب”، و“حماية أوروبا من موجات اللاجئين”، واستضافة “10 ملايين أجنبي”، وطلب المليارات باسم “مكافحة الهجرة غير الشرعية”. لكن سجل تصريحات السيسي نفسه، وحجم الأموال الأوروبية التي تدفقت على نظامه تحت لافتة “الشراكة الاستراتيجية للحد من الهجرة”، يكشفان عكس ما قال تمامًا. نحن أمام سلطة جعلت من الهجرة ورقة ابتزاز سياسي ومالي، ثم خرجت تنفي ذلك كأن عشر سنوات من الفيديوهات والاتفاقيات لم توجد أصلًا.

 

من «منع خروج قوارب الهجرة» إلى «إنقاذ أوروبا»: خطاب الابتزاز العلني

 

لسنوات، لم يتوقف السيسي عن تكرار جملة واحدة في كل منبر أوروبي: مصر منعت خروج أي قارب هجرة غير شرعية من سواحلها منذ 2016. في أكتوبر 2025، أكد بنفسه أن أوروبا “لم تتأثر بشكل كبير بتداعيات الهجرة غير الشرعية بفضل الجهود المصرية في هذا المجال، وعلى رأسها منع خروج قوارب الهجرة غير الشرعية من مصر”، مضيفًا أن مصر تستضيف نحو عشرة ملايين أجنبي نزحوا من دول مضطربة. هذه ليست مجرد معلومة؛ هذا خطاب مُصاغ بعناية ليقول للأوروبيين: نحن السدّ الذي يحميكم من “طوفان” الهجرة، ومن دوننا ستغرق شواطئكم.

 

الأمر نفسه يتكرر على مستوى وزراء الخارجية والهجرة، حين يجلسون مع نظرائهم الأوروبيين ويتحدثون بإسهاب عن “استضافة ملايين اللاجئين والمهاجرين” و“ضبط الحدود”، مقابل الإشادة الأوروبية المتواصلة بـ“جهود مصر في السيطرة على الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية”. في أحد لقاءات الهجرة مع الجانب الهولندي، مثلًا، استعرض الوزير المصري “ما تبذله الحكومة من جهود لاستضافة اللاجئين والسيطرة على الحدود”، بينما امتدح الوزير الهولندي “الدور المصري المميز في مكافحة الهجرة غير النظامية والسيطرة على الحدود”.

 

هذا الخطاب لا يُقال مجانًا؛ فهو مفتاح لكل طلبات الدعم والتمويل و“الشراكات” التي يوقّعها النظام مع الاتحاد الأوروبي. حين تكرر أمام شريكك الخارجي أنك تحمي حدوده بشرطة وجيش و”قوارب متوقفة”، فأنت عمليًا تقول له: نحن نوفّر لكم خدمة أمنية مدفوعة الثمن، وبدوننا ستدفعون الثمن سياسيًا وشعبيًا في الداخل الأوروبي. فما هذا إن لم يكن استخدامًا صريحًا لملف الهجرة كأداة مساومة وابتزاز؟

 

مليارات أوروبا: شراكة اقتصادية أم عقد حراسة حدود مدفوعة الأجر؟

 

في مارس 2024، أعلن الاتحاد الأوروبي عن حزمة تمويل ضخمة لمصر بقيمة 7.4 مليارات يورو للفترة 2024–2027، تشمل 5 مليارات قروض ميسرة، و1.8 مليار استثمارات، و600 مليون يورو منح، منها 200 مليون مخصصة مباشرة لإدارة ملف الهجرة. صحف كبرى مثل الغارديان ووكالات أنباء عالمية قدمت الصفقة بوضوح كاتفاق يهدف إلى “استقرار الاقتصاد المصري ومنع أزمة هجرة جديدة”، أي أن جوهرها سياسي أمني بقدر ما هو اقتصادي.

 

هذه الأموال لا تأتي في فراغ. هي جزء من “شراكة استراتيجية” جديدة بين الاتحاد الأوروبي ونظام السيسي، حيث تُقدَّم مصر في الخطاب الرسمي الأوروبي على أنها “شريك أساسي في إدارة الهجرة وحماية الحدود الجنوبية لأوروبا”، مع تخصيص مئات الملايين من اليوروهات تحديدًا لمشروعات “إدارة الهجرة وضبط الحدود ودعم استضافة اللاجئين”.

 

منظمات حقوقية وتقارير بحثية مستقلة شرحت الصورة بلا تجميل: أوروبا تموّل نظامًا قمعيًا مقابل أن يقوم بدور “الحارس الخشن” على حدودها، فيمنع انطلاق المهاجرين من سواحله، ويشدد الرقابة على الحدود مع ليبيا، ويُعيد توجيه طرق المصريين أنفسهم إلى ممرات أكثر خطورة عبر دول أخرى، بينما تتغاضى العواصم الأوروبية عن انتهاكاته في الداخل. هذا بالضبط هو تعريف “الابتزاز المتبادل”: نظام مأزوم اقتصاديًا يقدم نفسه كحائط صد للهجرة، واتحاد أوروبي مذعور من الناخبين يدفع المليارات ليبقي المشكلة بعيدًا عن شواطئه وداخل سجون وخرائط جيرانه.

 

وسط هذا كله، يخرج السيسي ليقول “لم نستغل ملف الهجرة للمساومة”. إن كان هذا ليس مساومة، فكيف تبدو المساومة إذن؟ حين تقول للأوروبي: “أوروبا لم تتأثر بالهجرة غير الشرعية بفضل جهودنا” ، ثم تقبض مليارات مرتبطة صراحةً بملف الهجرة، فأنت لا تمنّ عليه، بل تعرض خدمة أمنية بمقابل، وتلوِّح ضمنًا بما قد يحدث لو توقف “التعاون”.

 

لماذا ينكر السيسي اليوم ما بناه لسنوات على ورقة الهجرة؟

 

يبقى السؤال: لماذا يصرّ السيسي الآن على جملة من نوع “لم نستغل ملف الهجرة كأداة للمساومة”، بينما كل تصريحاته واتفاقياته تقول عكس ذلك؟

 

السبب الأول خارجي. صورة النظام في أوروبا تتآكل تحت ضغط منظمات حقوقية وبرلمانيين يفضحون هذه الصفقات باعتبارها “شراءً لخدمات نظام استبدادي” على حساب حقوق الإنسان. تقارير عديدة انتقدت اتفاق 7.4 مليارات يورو واعتبرته استمرارًا لسياسة “دفع المال للديكتاتور ليحتوي المهاجرين نيابة عنا”. أمام هذا الضغط، يحاول السيسي أن ينتج خطابًا أكثر نعومة، يوحي بأن مصر تقوم بدورها “من منطلق مسؤوليتها الأخلاقية”، لا لأنها تبيع خدمة حراسة حدود مقابل تمويل وقروض.

 

السبب الثاني داخلي. المصريون باتوا يدركون أن النظام يقدم بلدهم للعالم على أنها “معسكر كبير للاجئين” و”خط دفاع عن أوروبا”، بينما يعيشون هم أنفسهم في أزمة اقتصادية خانقة، وغلاء فاحش، وديون تتضخم بلا أفق. عندما يسمعون أن هناك مليارات تأتي باسم “الهجرة واللاجئين”، ويتزامن ذلك مع ضرائب جديدة وتقشف عليهم، فإن الشعور الطبيعي هو: النظام يساوم بالعالم الخارجي على حسابنا، يستخدم جغرافيا مصر وسواحلها وحدودها كورقة في تفاوض لا يعود بالنفع على المواطن بل على بقاء السلطة.

 

ثم هناك بعد ثالث أخطر: استخدام الهجرة كورقة ضغط سياسية في ملفات أخرى، مثل ملف غزة. في مكالمة مع رئيس الوزراء البريطاني، حذر السيسي من أن أي تهجير للفلسطينيين قد يؤدي إلى نزوح نحو أوروبا، في رسالة واضحة بأن تداعيات سياسات إسرائيل لن تتحملها مصر وحدها، بل ستصل إلى عواصمهم. هذه اللغة ليست لغة دولة “لا تساوم بملف الهجرة”، بل لغة من يعرف جيدًا قيمة الورقة التي يمسك بها، ولا يتردد في التلويح بها كلما احتاج المزيد من الدعم أو الضغط.

 

في النهاية، جوهر التناقض فاضح: السيسي بنى جزءًا مهمًا من شرعيته الخارجية على أنه “حارس البوابة الجنوبية لأوروبا”، ومنح نفسه الحق في قمع الداخل وتكميم الأفواه تحت شعار “محاربة الإرهاب والهجرة غير الشرعية”، ثم يأتي اليوم لينكر استغلال هذا الملف للمساومة. الحقيقة أن نظامًا يعيش على القروض والمنح، ويقدّم منع المهاجرين كبضاعته الرئيسية، لا يملك رفاهية إنكار الابتزاز؛ كل ما يملكه هو أن يغيّر لغة الخطاب، بينما تبقى المعادلة كما هي: نحن نمنع عنكم المهاجرين… وأنتم تُبقون على هذا النظام واقفًا على قدميه، مهما فعل بشعبه.