أسامة أبو أرشيد
كاتب وباحث فلسطيني
خرج العجوز الخبيث، السيناتور عن ولاية ساوث كارولاينا، ليندسي غراهام، مهدّدًا بشكل مبطّن دول مجلس التعاون الخليجي بأنه "ستكون هناك عواقب" إن لم تنخرط بشكل أكبر في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران. وفي تدوينة في منصة إكس في التاسع من مارس/ آذار الجاري، كتب غراهام أن "هذه المعركة تدور في فنائهم الخلفي"، موجّهًا انتقاداته إلى السعودية بشكل خاص، قائلًا: "الأميركيون يموتون، والولايات المتحدة تنفق مليارات الدولارات لإزاحة النظام الإيراني الإرهابي. وفي المقابل، يبدو أن السعودية تكتفي بإصدار بيانات، والقيام بأمور خلف الكواليس لا تتجاوز أنها مساعدة هامشية". لم يكتفِ غراهام بهذا المستوى من الفجاجة والوقاحة، بل دعا إلى أن تعيد واشنطن النظر في جدوى توقيع اتفاقية دفاعية مع السعودية تسعى إليها الرياض منذ أكثر من عقد، من دون تقدّم يذكر، جرّاء الاشتراطات الأميركية الكثيرة والمعقّدة، والتي في حال التزمت بها السعودية ستفقد الاتفاقية أيّ معنى لها. وفي اليوم نفسه، كرّر غراهام عبر قناة فوكس نيوز (اليمينية) مطالبه قائلًا إنه يريد من الإمارات والسعودية أن "تنخرطا في القتال.. نحن نبيعهم الأسلحة، وإيران تضرب بلديهما، ولديهما قدرات جيّدة".
غراهام هذا جمهوري يميني متطرّف، ومن أكثر المقرّبين من الرئيس دونالد ترامب، وعلاقاته العميقة بإسرائيل ودفاعه الدائم المستميت عنها أثارا كثيرًا من اللغط داخل قاعدة "ماغا" (لنجعل أميركا عظيمة مرّة أخرى) حول حقيقة أولويات ولائه، أهو لأميركا أولًا أم لإسرائيل أولًا. ومعروف عن غراهام أنه من أكثر السياسيين الأميركيين تلقيًا للدعم المالي من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، لوبي إسرائيل في واشنطن. ووفقًا لتقرير لصحيفة وول ستريت جورنال (6 مارس الجاري)، يضغط غراهام على ترامب منذ نجاحه في الانتخابات الرئاسية في خريف عام 2024 لضرب إيران، كما أنه قام برحلات متكرّرة إلى إسرائيل، وتحدّث مع ولي العهد السعودي، محمّد بن سلمان، ليبلغه بأن الضربات الأميركية باتت مرجّحة. وحسب اعترافات غراهام نفسه، فإنه قدّم نصائح لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حول كيفية التعامل مع ترامب، مضيفًا أن مسؤولين إسرائيليين كانوا يشاركونه أحيانًا معلومات "لا تخبرني بها حتى حكومتي". ولا يكتفي غراهام بهذا القدر من التباهي الفجّ بالتحريض من أجل حرب أميركية أخرى مدمّرة في الشرق الأوسط، بل يقول إنه عمل مع الجنرال الأميركي المتقاعد جاك كين، ومع كاتب العمود في صحيفة واشنطن بوست، مارك ثيسن، الذي شغل سابقًا منصب كبير كتّاب الخطابات للرئيس جورج دبليو بوش، لجذب انتباه ترامب إلى ضرورة شنّ حرب على إيران. وفعلًا، شارك ترامب بعض المواد التي عمل عليها هذا الفريق الخبيث في "تروث سوشال".
ليس سرًّا ولا جديدًا في القول إن هذه حرب أرادتها إسرائيل لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بناء على مصالحها وحدها، وهو أمر فصّل فيه كاتب هذه السطور في مقال الأسبوع الماضي ("إيران محطّة في مخطّط إعادة صياغة الشرق الأوسط"، "العربي الجديد"، 6/3/2026). وقطعًا، لن تكون إيران آخر حبّة، كما أنها لم تكن أوّلها، في مسبحة المنطقة التي يراد الحفاظ على انفراط عقدها. وواضح من تصريحات غراهام، حليف إسرائيل وأحد أدواتها في واشنطن، أنهم يريدون توريط المنطقة كلّها في الحرب مع إيران لضمان التدمير المتبادل بين العرب، وتحديدًا دول الخليج العربي، وإيران، كي تخرج إسرائيل وحدها منتصرة من هذه الحرب عبر الدعم الأميركي. ولمن أراد دليلًا على ذلك، ليدقّق في أن معظم أنظمة الدفاع الجوي الأميركية في المنطقة مسخّرة لحماية إسرائيل لا الدول الخليجية التي يفترض أنها حليفة، بل إن حتى القواعد العسكرية الأميركية في الخليج لا تحظى بالحماية الاعتراضية الجوية التي تحظى بها إسرائيل. صحيحٌ أن إيران تشنّ اعتداءات متكرّرة على الدول الخليجية، وهذا مدان ومرفوض، بعيدًا عن أيّ تبريرات، ومن دون الحاجة للخوض في التحليل السياسي الذي يؤطّر المسألة، وفق المقاربة الإيرانية، لكن إعلان دول الخليج حربًا على إيران، قد يستتبعه انسحاب أميركي من العدوان الذي بدأته واشنطن مع تل أبيب، وترك تلك الدول وحدها تخوض حرب استنزاف مع بيعها الأسلحة، وإتخام الخزينة الأميركية. ولمن أراد دليلًا إضافيًا، يكفي أن يتابع تصريحات ترامب المتناقضة حول أهدافه من الحرب، من إسقاط النظام، إلى الدفع بقيادات أكثر مرونة من داخله، إلى احتمال الإعلان عن نهاية الحرب على أساس أن الولايات المتحدة "انتصرت" عبر تحييد عدد كبير من القيادات الإيرانية، وفي مقدّمتهم المرشد السابق علي خامئني، وتدمير البرنامج النووي الإيراني، وكذلك سلاح البحرية، وإضعاف قدرات طهران الصاروخية.
واضح أن عدة دول خليجية تفهم هذه المعادلة جيدًا، وترفض الانسياق وراء إغواء الذئبين، غراهام ونتنياهو. وربّما كان هذا ما قصده رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، عندما قال إن الهجمات الإيرانية على قطر "تُشعرنا بخيانة كبيرة"، واعتبر أن الهجمات على دول الخليج "خطأ فادح"، لكنه أكّد، في الوقت نفسه، أن الدوحة "أوضحت بشكل جلي أنها لن تخوض أيّ حروب ضدّ جيرانها"، لأن التصعيد العسكري "لن يؤدّي إلا إلى تفاقم الأزمة". نتمنّى أن يكون هذا موقفًا خليجيًا وعربيًا موحّدًا، وأن تنتهي هذه الحرب العدوانية العبثية المدمّرة للمنطقة كلّها، ولا تريدها إلا إسرائيل ومجانينها في واشنطن.

