بينما تواصل الأسعار الجنونية للعقارات والإيجارات خنق المصريين، تصرّ حكومة الانقلاب على التعامل مع السكن الأساسي للمواطن كرفاهية يجب أن تُفرَض عليها الجباية، لا كحق إنساني واجتماعي. ورغم المطالبات المتكررة برفع حد الإعفاء من الضريبة العقارية إلى 100 ألف جنيه كقيمة إيجارية سنوية، تصرّ وزارة مالية السيسي على سقف هزيل يدور بين 50 و60 ألفًا، مع خطاب متعجرف عن “استحالة” الذهاب أبعد من ذلك، وكأن المشكلة في إعفاء الناس لا في شراهة الدولة.

 

بهذا النهج، لا يدافع النظام عن “موارد الدولة” كما يدّعي، بل يرسّخ سياسة واضحة: تمويل خراب سياساته الاقتصادية من جيوب الطبقة المتوسطة وسكان الشقق الشعبية، وترك حيتان الثروة العقارية في مأمن عمليًا من أي عبء حقيقي.

 

ضريبة تسحق السكن الأساسي وتُدلّل الثروة العقارية

 

أحمد كجوك، وزير مالية الانقلاب، يقدّم نفسه باعتباره الرجل “الواقعي” الذي يعرف حدود الممكن، فيعلن أن أقصى ما يمكن الوصول إليه هو حد إعفاء 50–60 ألف جنيه كقيمة إيجارية سنوية، ويُسَوِّق للأمر باعتباره إنجازًا سيُعفي – وفق قوله – 43 مليون وحدة من الضريبة العقارية، ويجعل الاعتراض “رفاهية غير منطقية”.

 

لكن قراءة الأرقام تكشف الصورة المقلوبة.

 

المهندس داكر عبد اللاه، عضو شعبة الاستثمار العقاري باتحاد الغرف التجارية، يوضح أن حصيلة الضريبة العقارية سنويًا لا تتجاوز 4–6 مليارات جنيه، في بلد تُقدَّر ثروته العقارية بأكثر من 10 تريليونات جنيه. أي أن الدولة تحصل أقل من 0.05% من قيمة هذه الثروة، ومع ذلك تمارس كل هذا العناد في الضغط على سكن الناس الأساسي.

 

عبد اللاه يشرح بوضوح أن أكثر من 60% من الحصيلة تأتي من شقق هي سكن أساسي للمواطنين في مناطق متوسطة وشعبية، بينما لا يشعر هؤلاء بأي مقابل حقيقي على الأرض: لا صيانة، لا تطوير، لا خدمات تليق بما يُدفَع من ضرائب. الضريبة هنا لا تبدو “إدارة عادلة للثروة العقارية”، بل عبئًا مباشرًا على الأسر التي تكافح للبقاء في شقة واحدة تحفظ لها الحد الأدنى من الاستقرار.

 

في المقابل، يظل الجزء الأكبر من الثروة العقارية الراقية، والوحدات المغلقة، والعقارات الاستثمارية الكبيرة، يتحمل نسبة ضئيلة لا تتناسب مع قيمتها ولا مع أصحابها، في نموذج صارخ لـعدالة ضريبية مقلوبة: من يملك أقل يدفع أكثر نسبيًا، ومن يملك مليارات يدفع فتاتًا.

 

العدالة الضريبية المقلوبة: لماذا ترفض الحكومة رفع الإعفاء؟

 

الخبير الاقتصادي مدحت نافع يضع إصبعه على جوهر القصة: المشكلة ليست في “دستورية” إخضاع السكن للضريبة، بل في انعدام العدالة الاجتماعية داخل التصميم نفسه.

 

نافع يؤكد ضرورة رفع حد الإعفاء إلى أكثر من 100 ألف جنيه كقيمة إيجارية سنوية، مع إعفاء كامل للوحدة الأولى التي يسكنها الممول مهما كانت قيمتها، لأن هذه الوحدة ليست سلعة استثمارية بل حق سكني أساسي.

 

ويقترح نافع ما لا تريد حكومة السيسي الاقتراب منه:

 

•  ضريبة تصاعدية ترتفع مع زيادة عدد الوحدات المملوكة للشخص وأسرته.

 

•  تشديد العبء على الوحدات المغلقة المختزِنة للقيمة، لا على الشقة الوحيدة التي تأوي أسرة واحدة.

 

لكن بدلاً من ذلك، يتمسّك كجوك ومن خلفه حكومة الانقلاب بأدنى مستويات الإعفاء، متذرعين بأن “المحكمة الدستورية أجازت إخضاع وحدة السكن للضريبة”؛ وهو دفع صحيح من الناحية الشكلية، لكنه – كما يقول نافع – لا يحقق العدالة الضريبية ولا يدفع لاستغلال الوحدات الخاملة، ولا يراعي انهيار الدخول الحقيقية وتضاعف تكلفة السكن على الفقراء والمتوسطين.

 

بمعنى أوضح: النظام يجد شجاعة هائلة في فرض عبء إضافي على أسرة تعيش في شقة إيجار متواضع، لكنه يفقد هذه الشجاعة تمامًا عندما يتعلق الأمر بوضع ضريبة تصاعدية على من يملك عشرات الوحدات المغلقة في التجمع، والعاصمة الإدارية، والساحل. هنا تصمت “إصلاحات” السيسي، لأن المساس بحيتان العقار خط أحمر، بينما سكن الطبقة المتوسطة والفقراء ساحة جباية مفتوحة.

 

إصلاح ممكن ومقترحات جاهزة.. لكن الإرادة السياسية غائبة

 

المفارقة أن الحلول العادلة ليست غائبة، بل مطروحة بوضوح على لسان خبراء قريبين من الملف.

 

المهندس داكر عبد اللاه يقترح حزمة متكاملة لإعادة التوازن:

 

•  رفع حد إعفاء القيمة الرأسمالية للوحدة من سقف 2 مليون إلى 3.5–4 ملايين جنيه، بحيث يُعفى سكن الأسرة المتوسطة من الأساس.

 

•  خفض النسبة على السكن الأساسي من 10% من القيمة الإيجارية إلى 5% فقط، مع رفعها إلى 15% للوحدات المغلقة، و20% للعقارات الاستثمارية الكبيرة.

 

بهذا – كما يوضح – يمكن تحصيل نفس الحصيلة تقريبًا دون سحق من يسكن شقة واحدة، بل عبر توزيع العبء على من يملكون فائضًا عقاريًا حقيقيًا.

 

من جانبه، يؤكد الدكتور علي الإدريسي، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، أن تعديل قانون الضريبة العقارية أصبح ضرورة في ظل انفجار أسعار العقارات والإيجارات، ويصف رفع حد الإعفاء إلى 100 ألف جنيه سنويًا بأنه “منطقي ومقبول تمامًا” في ظل التضخم الحالي. الإدريسي يشير إلى أن حكومة الانقلاب تستهدف رفع الحصيلة من 3.1 إلى أكثر من 5 مليارات جنيه، أي زيادة تفوق 40%، لكنه يذكّر بأن تحقيق هذه الزيادة لا يجب أن يكون عبر تحميل سكن الأسرة أعباء إضافية، بل عبر توسيع القاعدة الضريبية العادلة وتركيز العبء على القادرين.

 

الأكثر وضوحًا في طرحه، أن الإدريسي يدعو إلى إعفاء كل الوحدات السكنية المستخدمة كمحل إقامة للأسر من الضريبة، مهما بلغت قيمتها، لأن إضافة ضريبة على مسكن الأسرة في الظرف الاقتصادي الحالي يعني ببساطة: “رصاصة إضافية في جسد مواطن يترنح أصلًا تحت ضربات الغلاء والضرائب غير المباشرة”.

 

ومع هذه المقترحات، يذكّر عبد اللاه بأهمية:

 

•  إعادة التقييم كل خمس سنوات وفقًا لدخل المنطقة، وعمر العقار، ومستوى الخدمات.

 

•  توجيه 70% من حصيلة الضريبة للمنطقة نفسها و30% للخزانة العامة، حتى يشعر المواطن أن ما يدفعه يعود عليه في شكل خدمات حقيقية، لا في صورة قصور رئاسية وجسور إسمنتية لا يحتاجها.

 

لكن كل هذه الرؤى تصطدم بجدار واحد: إرادة سياسية غير معنية بالعدالة، ترى في الضرائب مجرد وسيلة لسد فجوة ديون صنعها النظام نفسه، ولا ترى في المواطن إلا “رقمًا دافعًا” يجب أن يتحمل كل شيء دون اعتراض.

 

في النهاية، ليست معركة الضريبة العقارية مجرد نقاش تقني حول أرقام وحدود إعفاء، بل هي اختبار مكشوف:

 

هل ترى سلطة السيسي في بيت المصري حقًا يجب حمايته، أم “بقرة حلوب” جديدة تُضاف إلى قائمة ما يُنهَب يوميًا باسم القانون؟

 

حتى الآن، الإجابة واضحة.. وموجعة.