تفضح الزيادة الجديدة في أسعار زيوت الطعام والسمن فشل الحكومة في حماية أبسط احتياجات الأسر المصرية، لأن ما ارتفع هذه المرة ليس سلعة هامشية أو موسمية، بل مكوّن يومي يدخل كل بيت تقريبًا، من القلي والطهي إلى إعداد الطعام الأساسي. وفي سوق يعاني أصلًا من تضخم سنوي بلغ 13.4% في فبراير، جاءت زيادات جديدة على عبوات الزيت لترفع كلفة المعيشة مرة أخرى، بعد أيام من قرار حكومي برفع أسعار البنزين والسولار والغاز بنسب وصلت إلى 30%.
تكشف هذه الزيادات أن الحكومة لا تواجه الغلاء، بل تدفعه إلى الأمام. فهي ترفع كلفة الطاقة والنقل، ثم تترك الشركات والتجار ينقلون العبء إلى المستهلك النهائي من دون حماية فعلية أو رقابة مؤثرة أو سياسة واضحة تمنع تحول السلع الأساسية إلى عبء يومي متزايد على محدودي ومتوسطي الدخل. لذلك لا تبدو زيادة الزيت والسمن خبرًا تجاريًا عابرًا، بل عنوانًا جديدًا لأزمة معيشية تضرب المطبخ المصري مباشرة، وتؤكد أن الدولة تكتفي بإدارة الغلاء لا منعه.
زيادات جديدة تضرب المطبخ
شهدت السوق المصرية، اليوم الأحد، زيادة جديدة في أسعار زيوت الطعام والسمن، شملت منتجات شركات معروفة ومتداولة على نطاق واسع، مع وصول الزيادة في بعض العبوات سعة 1 لتر إلى نحو 16 جنيهًا وفق القائمة المتداولة في السوق. هذه الزيادة لا يمكن التقليل من أثرها، لأن الزيت ليس من السلع التي يمكن للأسرة الاستغناء عنها أو تأجيل شرائها، بل من الأساسيات التي ترتبط بكل وجبة تقريبًا.
وشملت الزيادات منتجات شركة عافية التابعة لمجموعة صافولا، إذ ارتفع سعر كرتونة زيت ذرة عافية عباد سعة 0.7 لتر، بعدد 6 عبوات، إلى 453 جنيهًا، كما صعد سعر كرتونة زيت الذرة عافية إلى 1239 جنيهًا، وارتفع أيضًا سعر كرتونة زيت عباد سلايت سعة 1.5 لتر، بعدد 6 عبوات، إلى 935 جنيهًا. كما طالت الزيادة منتجات كريستال، إذ قفز سعر زيت الذرة سعة 1 لتر إلى 136 جنيهًا بدلًا من 114 جنيهًا، وارتفع سعر عبوة 1.6 لتر إلى 215 جنيهًا بدلًا من 188 جنيهًا، ثم صعد سعر عبوة 3.5 لتر إلى 455 جنيهًا بدلًا من 396 جنيهًا، أي بزيادة 59 جنيهًا دفعة واحدة.
وامتدت القائمة أيضًا إلى منتجات الممتاز، حيث سجلت عبوة 0.7 لتر سعر 57 جنيهًا، وعبوة 1 لتر 77 جنيهًا، بينما ارتفعت عبوة 2.5 لتر إلى 210 جنيهات مقارنة بـ180 جنيهًا سابقًا، ووصلت عبوة 4.5 لتر إلى 375 جنيهًا. والمقارنة هنا مهمة، لأن سعر عبوة الممتاز 1 لتر كان قد سجل 77 جنيهًا بالفعل في نهاية ديسمبر 2024، ما يعني أن السوق يعود إلى الارتفاع بعد فترات خصم محدودة لم تصمد طويلًا أمام ضغوط التكلفة والتسعير.
ولا تقف المشكلة عند أسماء العلامات التجارية أو أحجام العبوات، بل في أن الزيادات تطال شرائح استهلاك مختلفة معًا. فهناك ارتفاع في الزيت الاقتصادي، والزيت الذرة، والعبوات الصغيرة، والعبوات العائلية، بما يعني أن الأسرة لا تجد ملاذًا أرخص داخل الصنف نفسه، بل تنتقل من زيادة إلى أخرى بحسب قدرتها الشرائية لا بحسب حاجة السوق الحقيقية.
الوقود يشعل الأسعار
لا يمكن قراءة هذه القفزة من دون العودة إلى قرار الحكومة برفع أسعار الوقود في مارس 2026. فأسعار البنزين أصبحت 24 جنيهًا لبنزين 95، و22.25 جنيهًا لبنزين 92، و20.75 جنيهًا لبنزين 80، بينما بلغ السولار 20.50 جنيهًا للتر، وغاز السيارات 13 جنيهًا للمتر المكعب. وهذه الأرقام ليست مجرد تكلفة على السائقين، بل تدخل فورًا في نقل الخام، وتحريك الشحنات، وتوزيع السلع، وتشغيل المصانع، أي في كل المراحل التي تسبق وصول زجاجة الزيت إلى رف المتجر.
ويتأكد هذا الربط من أسواق غذائية أخرى. ففي قطاع الأسماك، حذر محمد عبد الحليم، عضو شعبة الأسماك، من أن أسعار الفسيخ والرنجة مرشحة للارتفاع بنحو 30% قبل عيد الفطر، موضحًا أن 10% من الزيادة يعود مباشرة إلى ارتفاع أسعار البنزين وتكاليف النقل. وإذا كانت هذه العلاقة واضحة في الأسماك، فهي أوضح في الزيوت والسمن التي تعتمد على خامات وتعبئة ونقل وتخزين، ما يجعل قرار الوقود عاملًا مباشرًا في موجة الغلاء الحالية لا مجرد خلفية بعيدة لها.
كما أن الشركات نفسها كانت قد بررت في مناسبات سابقة تغييرات الأسعار بارتفاع مدخلات الإنتاج والنقل ومواد التغليف والغاز، وهو ما ظهر في تصريحات منشورة عن صافولا في 2025، حين ربطت بين الأسعار العالمية لزيت الصويا وتكاليف النقل والتغليف والغاز وبين التكلفة النهائية للمنتج. هذا يعني أن الحكومة تعرف جيدًا كيف تنتقل زيادة الطاقة إلى سعر الغذاء، لكنها رغم ذلك تمضي في نفس المسار، ثم تترك المواطن وحده في مواجهة النتيجة النهائية عند الكاشير.
ويزداد الأمر قسوة لأن السوق دخل أصلًا هذه المرحلة تحت ضغط تضخم مرتفع. فقد أظهرت بيانات رويترز أن التضخم السنوي في المدن المصرية ارتفع إلى 13.4% في فبراير مقابل 11.9% في يناير، بينما تسارع التضخم الشهري أيضًا، بما يعكس موجة غلاء قائمة قبل انتقال الأثر الكامل لزيادة الوقود إلى السلع. لذلك فإن زيادة الزيت ليست صدمة مستقلة، بل حلقة جديدة في سلسلة تضغط على الطعام والإنفاق اليومي وتدفع الأسر إلى تقليص مشترياتها الأساسية.
رقابة غائبة وأسر تدفع الثمن
اللافت أن هذه الزيادات تأتي بعد تاريخ قريب شهد تخفيضات وخصومات على بعض المنتجات نفسها. فقد سجلت السوق في ديسمبر 2024 أسعارًا أقل لزيت كريستال والممتاز، كما أعلنت شركات في 2024 تخفيضات وصلت إلى 14% و22% على بعض منتجات الزيت والسمن. لكن ما حدث لاحقًا يؤكد أن هذه التخفيضات لم تكن نتاج سياسة سوق مستقرة أو حماية حكومية فعالة، بل مجرد حركة مؤقتة انتهت سريعًا، ثم عادت الأسعار للصعود بمجرد ارتفاع التكلفة وضغط السوق من جديد.
ويرى مدحت نافع أن التحدي الرئيسي للاقتصاد المصري يتمثل في الاستثمار وضعف الادخار المحلي، موضحًا أن انخفاض الادخار يحد من القدرة على تحقيق نمو مرتفع ومستدام. وهذا الرأي مهم هنا لأن الزيادات المتتالية في السلع الأساسية، ومنها الزيت والسمن، لا تضرب الاستهلاك فقط، بل تمنع الأسر أيضًا من الاحتفاظ بأي هامش ادخار، وتجعل الدخل يذهب بالكامل تقريبًا إلى الحاجات اليومية المتصاعدة.
ومن زاوية أخرى، قال هاني توفيق إن الحكومة "استسهلت" رفع أسعار الوقود، وإن هذه الخطوة كان يجب أن يصاحبها تحرك لزيادة الإنتاج والتصنيع والتصدير، لا الاكتفاء بنقل العبء إلى المواطن. وأضاف أيضًا أن المشكلة لم تعد في توافر الدولار فقط، بل في تكاليف الإنتاج المرتفعة وثقافة التسعير التي تحتاج إلى سياسات متوازنة لخفض التضخم بشكل ملموس. وهذا ينسحب مباشرة على سوق الزيوت، لأن الحكومة لم تقدم ما يخفف كلفة الإنتاج أو يوسع العرض، بل أضافت عبئًا جديدًا ثم تركت الزيادة تمر إلى المستهلك كأنها أمر طبيعي.
أما رشاد عبده فكان قد أشار إلى أن ارتفاع الأسعار يصبح عبئًا كبيرًا على غير القادرين كلما تراجعت السلع أو ارتفعت كلفتها أو اندفع الناس إلى التخزين تحت ضغط الخوف من الغلاء. وهذه الملاحظة تبدو أكثر وجاهة في سوق الزيت، لأن الأسرة التي تخشى زيادة جديدة لا تشتري بدافع الرفاهية، بل بدافع الدفاع عن نفسها من موجة غلاء لاحقة، وهو ما يعمق الاختلال أكثر ويدفع الطلب إلى سلوك عصبي في سوق بلا طمأنة ولا استقرار.
المحصلة أن زيادة الزيوت والسمن اليوم لا تكشف فقط عن أزمة في سلعة بعينها، بل عن نمط حكم اقتصادي يرفع التكلفة من أعلى، ثم يترك المجتمع يوزع الألم في الأسفل. فالحكومة التي رفعت الوقود وسمحت للتضخم بالتصاعد، لم تمنع أن تتحول زجاجة الزيت إلى عبء إضافي على كل مطبخ، ولم تقدم للمواطن سوى مزيد من التآكل في دخله وقدرته على العيش. هكذا لا يصبح الغلاء حدثًا عابرًا، بل أسلوب إدارة كامل يدفع الأسر المصرية يومًا بعد يوم إلى طعام أقل، واستهلاك أضيق، وحياة أكثر قسوة.

