قاسم قصير

باحث وكاتب سياسيي من لبنان

 

حدثان مهمان عشناهما خلال الأسبوعين الماضيين، الحدث الأول الإعلان الأمريكي بوضع حركات الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن على "لوائح الإرهاب"، بحجة دعم حركة حماس والقيام بأعمال عنف ضد الكيان الصهيوني أو لأسباب أخرى، وهو استكمال لحملة منظمة سياسية وإعلامية وقانونية وأمنية ضد حركات الإخوان المسلمين أو الحركات الإسلامية وحركات المقاومة في العديد من الدول العربية والغربية، وفي ظل إجراءات قاسية تطال قوى المقاومة واستمرار حرب الإبادة ضد هذه القوى في لبنان وفلسطين. والحدث الثاني يتمثل في التطورات المتسارعة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتي بدأت باحتجاجات شعبية على الإجراءات الاقتصادية والمالية، وبسبب الأوضاع المعيشية الصعبة في إيران بعد تصاعد الضغوط والعقوبات الأمريكية والأوروبية، ولكن تحولت هذه الاحتجاجات الشعبية المبررة إلى أعمال عنف وتخريب وقتل في العديد من المناطق والمحافظات الإيرانية، ودخول أمريكا والكيان الصهيوني على خط هذه الاحتجاجات عبر تحريض المتظاهرين على التحرك ضد النظام الإيراني وتقديم كافة أشكال الدعم للشبكات التخريبية، والتي تبين أن هناك دورا كبير لجهاز الموساد في تحريكها، وقد هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشن عملية عسكرية ضد إيران بحجة دعم المتظاهرين ولوقف عمليات القتل.

 

ورغم أن الرئيس الأمريكي أعلن عن تجميد العملية العسكرية، لكن ذلك لا يلغي استمرار الخطر على النظام الإيراني وقيادته، واحتمال عودة التصعيد الأمريكي- الإسرائيلي ضد إيران وكل قوى المقاومة في المنطقة.

 

وبموازاة العمليات العسكرية التي تستهدف قوى المقاومة وحرب العقوبات الخارجية وتوصيف القوى الاسلامية بالإرهاب ومحاصرة هذه القوى ووضع قياداتها في السجون، فإن حربا أخرى تستهدف هذه القوى والحركات الإسلامية والدول التي تحمل مشروعا إسلاميا، وهي الحرب الإعلامية والفكرية من خلال مهاجمة كل التجارب الإسلامية والادعاء بأن التجربة الإسلامية انتهت أو فشلت أو لم تحقق الأهداف التي سعت إليها، وخصوصا خلال الأعوام المائة الأخيرة، أي منذ نشوء حركة الإخوان المسلمين في العام 1928 وصولا إلى اليوم ومرورا بكل التجارب الإسلامية.

 

ويعتبر أصحاب هذه الحملات أن تجربة الإسلام السياسي كما يصفونها قد انتهت وأن كل تجارب المقاومة الإسلامية قد فشلت، وأن تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد فشلت وهي تتجه نحو النهاية أو السقوط، وطبعا لا يتحدث هؤلاء عن أية نقاط إيجابية في كل التجارب الإسلامية، وهذه ليست المرة الأولى خلال السنوات الأربعين الماضية التي يجري فيها الحديث عن نهاية الحركات الإسلامية أو الإسلام السياسي، فقد تكرر ذلك في مراحل متعددة على يد مفكرين غربيين أو عرب.

 

فكيف يواجه الإسلاميون هذه الحملات والحروب؟ وهل حقا انتهت تجربة الإسلام السياسي إلى الفشل؟ وأي مشروع يطرحه الإسلاميون في المرحلة المقبلة؟

 

لا بد من التأكيد على النقاط والملاحظات التالية:

 

أولا: أن تعاظم هذه الحملات على إيران وعلى القوى والحركات الإسلامية، والحرب التي تخاض لإنهاء دور قوى المقاومة، وخصوصا من قبل أمريكا وإسرائيل وبعض حلفائهم، دليل واضح على أن هذه القوى هي التي تقف في وجه المشروع الأمريكي- الإسرائيلي للهيمنة والسيطرة على المنطقة وتقسيمها إلى دويلات مذهبية وطائفية.

 

وثانيا: أن الأمريكيين والإسرائيليين يواجهون هذه القوى أو ما يسمونه بمحور المقاومة بشكل متكامل ودون تمييز بين فريق وآخر، أو بين أتباع مذهب وأتباع مذهب آخر، مما يعني أن المعركة شمولية وتستهدف الجميع وهذا يستدعي التعاون من كل القوى والحركات الإسلامية لمواجهة هذه الحرب العشواء.

 

وثالثا: أن من الخطأ تقييم التجربة الإسلامية السياسية أو المقاومة وفقا للحظة معينة أو في قترة محددة أو بناء على تجربة في دولة ما، فإن لكل حركة خصوصيتها وفي كل مرحلة خصوصية معينة، ولذا المطلوب إجراء تقييم شامل لكل تجارب الحركات الإسلامية، سواء في السلطة أو المعارضة أو على صعيد الدعوة والتبليغ أو مواجهة مشاريع الهيمنة أو دور المقاومة، وعلى ضوء ذلك يمكن القول ما إذا كانت هذه التجارب فاشلة أو ناجحة مقارنة بكل التجارب الأخرى.

 

رابعا: أن مسؤولية الإسلاميين إجراء مراجعة ذاتية وداخلية لتحديد نقاط القوة والضعف والخلل الذي أصاب المشروع الإسلامي، من أجل وضع استراتيجية للمستقبل تجمع بين كل النواحي الفكرية والسياسية والإعلامية والجهادية.

 

خامسا: لقد تطورت الحركات الإسلامية خلال الأعوام المائة الماضية، سواء على صعيد الرؤية الفكرية أو الأداء السياسي والإعلامي أو الدور الاجتماعي والتنموي، وكذلك من خلال مقاربتها لدورها في السلطة والحكم، ومن يراجع الأدبيات الإسلامية يلحظ هذا التطور الكبير، ولذا من الخطأ الحكم على هذه التجارب وفقا لرؤية ماضوية أو سابقة.

 

سادسا: أن استهداف القوى والحركات الإسلامية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وقوى المقاومة اليوم بسبب دورها المقاوم والرافض للمشروع الأمريكي والإسرائيلي للهيمنة على المنطقة وليس لأي سبب آخر، وعلى الدول العربية والإسلامية أن تدرك خطورة هذا المشروع وبدل استهداف هذه القوى يجب البحث في آفاق التعاون معها لمواجهة مختلف المخاطر. وفي المقابل، فإن على هذه القوى والحركات الإسلامية أن تقدم خطابا جديدا يأخذ بالاعتبار هذه المخاطر ويسعى للمصالحة مع الأنظمة الحالية بدل استمرار الصراع معها.

 

وفي الخلاصة، نحن أمام مرحلة خطيرة جدا، وأن نجاح أمريكا وإسرائيل بإنهاء دور قوى المقاومة وإسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإضعاف أو استهداف الحركات الإسلامية، ستكون له تداعيات خطيرة على كل العالم العربي والإسلامي، وأن مسؤولية الجميع مواجهة هذا المشروع الخطير وعلى الإسلاميين تقديم رؤية جديدة قادرة على مواجهة كل هذه التحديات.