في مشهد استعراضي لافت على هامش منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، وقَّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، صباح الخميس، ميثاق ما يسمى "مجلس السلام" خلال مراسم رسمية في المنتجع السويسري، بحضور نحو 22 من قادة وممثلي الدول، بعد أسابيع من تبني مجلس الأمن الدولي القرار 2803 الذي منح المجلس تفويضًا دوليًا بصفته جزءًا من "الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة".

 

ترامب قدّم نفسه رئيسًا لهذا الكيان الجديد، مؤكدًا في كلمته أن المجلس "سيعمل بالشراكة مع الأمم المتحدة لمعالجة الأزمات التي تمتد إلى ما هو أبعد من غزة"، وأنه "ملتزم بنزع سلاح غزة، وحكمها بشكل صحيح، وإعادة بنائها بشكل رائع"، مع إشارة واضحة إلى أن اختصاص المجلس لن يبقى محصورًا في القطاع بل سيمتد إلى ساحات نزاع أخرى حول العالم.

 

لكن ما بدا رسميًا كخطوة باتجاه "بناء السلام" يكشف، عند تفحص الميثاق المسرب وتحليلات خبراء القانون الدولي، عن محاولة جريئة لتأسيس منظمة دولية دائمة موازية للأمم المتحدة، بصلاحيات واسعة لرئيسها مدى الحياة، وبآليات عضوية وتمويل تجعل من "مجلس السلام" أقرب إلى نادٍ مغلق لدول قادرة على دفع ثمن المقعد، منه إلى مؤسسة عالمية جامعة.

 

مجلس سلام أم سلطة وصاية على غزة وما بعدها؟

 

من الناحية الرسمية، جاء "مجلس السلام" كجزء من خطة من 20 بندًا قدمتها إدارة ترامب لإنهاء الحرب في غزة، تتضمن وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، ونزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية، وانتشار "قوة استقرار دولية" وإعادة إعمار تقدر الأمم المتحدة كلفتها بنحو 70 مليار دولار.

 

القرار 2803 الصادر عن مجلس الأمن في نوفمبر 2025، رحّب بالخطة وأضفى شرعية على إنشاء "مجلس السلام" و"قوة الاستقرار الدولية" و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" كأجسام انتقالية لإدارة القطاع بعد وقف الحرب، رغم تحذيرات باحثين في القانون الدولي من أن القرار يمنح عمليًا نظام وصاية أمريكي الشكل على غزة، ويمتد في بعض صياغاته إلى شرعنة وجود عسكري طويل الأمد في أجزاء من القطاع.

 

الميثاق المسرب، الذي تداولته وسائل إعلام أمريكية بينها شبكة "سي إن إن"، يعرّف "مجلس السلام" بأنه "منظمة دولية دائمة لتعزيز السلام والحكم الرشيد في مناطق النزاع"، لكنه لا يذكر غزة بالاسم في أي من فصوله الثلاثة عشر، مكتفيًا بالإشارة العامة إلى "مناطق النزاعات المسلحة"، ما يعني أن الكيان وُلد من رحم حرب غزة لكنه سريعًا ما يتحول إلى لاعب عالمي دائم خارج الإطار الأممي التقليدي.

 

صلاحيات مدى الحياة وعضوية بمليار دولار.. اتهامات بـ"محكمة إمبراطورية"

 

أخطر ما في ميثاق "مجلس السلام" ليس ديباجته، بل بنوده التنظيمية الداخلية. فالوثيقة، كما تكشف تحليلات صحف دولية مثل "الغارديان"، تذكر اسم ترامب وحده كرئيس للمجلس، وتمنحه سلطة تعيين الأعضاء وعزلهم، وتحديد جدول الاجتماعات وموضوعاتها، وحتى إصدار "قرارات" باسمه دون حاجة إلى تصويت. كما يتمتع الرئيس بحق النقض المطلق (الفيتو) على أي قرار، وبصلاحيات تُمنح له مدى الحياة.

 

الأدهى أن الميثاق يفتح باب "العضوية الدائمة" للدول القادرة على دفع مليار دولار "نقدًا" لصندوق المجلس، في ما يشبه تذكرة عضوية في نادٍ عالمي، وهو ما دفع أحد المعلقين إلى وصف الكيان بأنه "محكمة إمبراطورية يديرها رئيس واحد، ويشتري مقاعدها من يملك المال"، بينما اعتبر آخرون أن ما حدث هو "خديعة سياسية": فمجلس الأمن ظن أنه يبارك آلية محددة لإنهاء حرب غزة، فإذا به يمنح شرعية لكيان عالمي جديد يدار من البيت الأبيض.

 

في دافوس، كرر ترامب انتقاداته التقليدية للأمم المتحدة، متحدثًا عن "إمكانات هائلة لم تُستغل" داخل المنظمة، ومشيرًا إلى أن الجمع بين "مجلس السلام" وشبكة من الشخصيات المؤثرة "يمكن أن يصنع شيئًا فريدًا جدًا للعالم"، في تلميح إلى أن المجلس يرى نفسه بديلًا أكثر "مرونة وفعالية" من المؤسسة الأممية، التي يصفها الميثاق ضمنًا بأنها "فشلت مرارًا".

 

جدل دولي حاد.. بين دول تنضم وأخرى تلوّح بالرفض والدفاع عن الأمم المتحدة

 

حفل التوقيع في دافوس حضره قادة ومسؤولون من دول عربية وإسلامية وغربية، بينها السعودية والإمارات وتركيا ومصر وإندونيسيا والمغرب والبحرين والأرجنتين، حيث وقع بعضهم على ميثاق "مجلس السلام" كأعضاء مؤسسين، بينما اكتفت دول أخرى بالحضور دون التوقيع، في حين رفضت عواصم مثل برلين وباريس الانضمام، معلنة تمسكها بدور الأمم المتحدة باعتبارها الإطار الشرعي الوحيد لإدارة السلم والأمن الدوليين.

 

في المقابل، رحبت دول حليفة لواشنطن بالمبادرة باعتبارها "فرصة لتسريع إعادة الإعمار في غزة" و"منصة جديدة للتنسيق الدولي"، بينما حذرت أطراف فلسطينية وعربية من أن المجلس يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية في المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، مع تقليص دور الفلسطينيين أنفسهم إلى "لجنة وطنية" ذات صلاحيات محدودة تحت سقف هيكل دولي يهيمن عليه البيت الأبيض.

 

منظمات حقوقية وباحثون في القانون الدولي ذهبوا أبعد من ذلك، معتبرين أن القرار 2803 وما نتج عنه من مؤسسات، وعلى رأسها "مجلس السلام"، يمثلان "قوننة" لشكل جديد من الإدارة الدولية يهدد مبدأ تقرير المصير ويُعيد إنتاج أنماط من "الحكم الاستعماري" تحت لافتة إعادة الإعمار وبناء السلام.

 

في المحصلة، يظهر "مجلس السلام" كأحدث تجلٍ لصراع عميق على شكل النظام الدولي بعد حرب غزة: بين من يريد تجديد شرعية الأمم المتحدة وتفعيل آلياتها، ومن يدفع نحو مؤسسات بديلة تُبنى حول قيادة أمريكية فردية وشبكة من الحلفاء والمال والنفوذ. وبين هذا وذاك، يبقى سكان غزة – الذين ولد المجلس على أنقاض مدينتهم المدمرة – الغائب الأكبر عن ميثاق لا يذكرهم بالاسم، بينما تُكتب فوق ركامهم معادلات جديدة للقوة والشرعية، تتجاوز حدود القطاع إلى العالم بأسره.