في خطوة تعمّق الخناق المالي والسياسي على الفلسطينيين، أعلنت الولايات المتحدة فرض حزمة عقوبات جديدة استهدفت ست جمعيات فلسطينية تعمل في قطاع غزة، إضافة إلى المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، وعدد من الشخصيات المرتبطة به، بدعوى العمل لصالح حركة حماس وتمويل جناحها العسكري.
وزارة الخزانة الأمريكية قالت إن هذه الكيانات “تتظاهر بتقديم خدمات إنسانية وطبية للفلسطينيين”، لكنها في الواقع – وفق رواية واشنطن – جزء من “شبكة سرّية تديرها حماس عبر منظمات غير ربحية”. وتأتي هذه العقوبات في سياق أوسع من استهداف منظمات المجتمع المدني الفلسطينية وشبكات الدعم الشعبي لغزة، في وقت يعيش فيه القطاع أطول وأقسى حرب وحصار في تاريخه الحديث، مع تحذيرات أممية متكررة من كارثة إنسانية غير مسبوقة.
منظمات خيرية تحت مقصلة العقوبات: واشنطن تتهم.. وغزة تدفع الثمن
وفق بيان وزارة الخزانة الأمريكية، استهدفت العقوبات ست منظمات غير ربحية تعمل في غزة، تقول الولايات المتحدة إنها “تزعم تقديم رعاية طبية وخدمات إنسانية”، لكنها في الواقع – حسب توصيف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) – مدمجة في البنية العسكرية لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحماس.
المنظمات الست تشمل جمعيات مثل Waed Society Gaza و Al-Nur Society Gaza وAl-Falah Society Gaza وغيرها من الكيانات التي تعمل منذ سنوات في بيئة شديدة التعقيد داخل قطاع محاصر، حيث تتداخل الأدوار الاجتماعية والإنسانية مع بنية الحكم de facto التي تسيطر عليها حماس. وتقول الخزانة إن بعض هذه الكيانات تلقت تمويلات بملايين الدولارات خلال السنوات الأخيرة، تتهمها واشنطن بالمرور إلى هياكل مرتبطة بحماس تحت غطاء مشاريع إنسانية.
الخطوة الأمريكية تعني عمليًا تجميد أي أصول لهذه الكيانات داخل الولايات المتحدة، ومنع الشركات والأفراد الأمريكيين من التعامل معها، مع تهديد المؤسسات المالية الأجنبية التي تستمر في التعامل معها بإجراءات عقابية إضافية. وبذلك تتحول العقوبات من أداة “ضغط على حماس” – كما تروج واشنطن – إلى سلاح يصيب مباشرة شبكة الخدمات الإنسانية الفلسطينية، ويزيد تعقيد عمل الجهات التي تحاول سد جزء من الفجوة الكارثية في النظام الصحي والخدمات الأساسية داخل القطاع.
Under Secretary لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، جون ك. هورلي، ذهب أبعد من ذلك حين قال إن “إدارة دونالد ترامب لن تغضّ الطرف عن استغلال قادة حماس وشركائهم للنظام المالي الدولي”، في خطاب يخلط عمدًا بين منظمات خيرية محلية تعمل في بيئة حصار وحرب، وبين الاتهامات الجاهزة بالانتماء لتنظيم “إرهابي”، دون إتاحة أي مسار قضائي مستقل للتحقق من هذه المزاعم أو منح هذه الكيانات فرصة حقيقية للدفاع عن نفسها.
تجريم التضامن مع غزة: من الأساطيل الشعبية إلى المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج
لم تتوقف العقوبات عند حدود داخل غزة، بل امتدت إلى استهداف المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، وهو إطار سياسي–شعبي يتخذ من لبنان مقرًا ويضم ناشطين من الشتات الفلسطيني، تتهمه واشنطن بأنه “يُدار سرًا من قبل حماس”، وأنه لعب دورًا رئيسيًا في دعم أساطيل كسر الحصار عن غزة، وعلى رأسها سفن “تحالف أسطول الحرية”.
البيانات الأمريكية تصفه بأنه “واجهة سياسية لحماس” شاركت في تنظيم flotillas مدنية حاولت الوصول بحرًا إلى غزة، في محاولة لخرق طوق الحصار البحري الإسرائيلي. وبذلك، تُجرّم واشنطن عمليًا واحدًا من رموز الحراك الشعبي الدولي الذي حاول، خلال السنوات الماضية، لفت أنظار العالم إلى حصار غزة عبر أدوات سلمية بحتة: قوارب، نشطاء، أطباء، ونواب وبرلمانيين من عدة دول.
العقوبات طالت أيضًا زاهر خالد حسن البيراوي، وهو أحد قيادات المؤتمر والمقيم في بريطانيا، متهمةً إياه بالضلوع في أنشطة داعمة لحماس وبدور بارز في جهود تنظيم الأساطيل، ما يرسل رسالة واضحة ليس فقط للفلسطينيين بل لكل نشطاء التضامن الدولي: أي محاولة عملية لكسر الحصار أو فضحه قد تُصنَّف في أي لحظة كـ“دعم للإرهاب” وتتعرض لعقوبات مالية وقانونية قاسية.
حرب مالية على المجتمع المدني الفلسطيني.. من يَحمي العمل الإنساني في زمن الإبادة؟
هذه الحزمة ليست حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة متصاعدة من العقوبات الأمريكية على منظمات فلسطينية، بعضها حقوقي موثّق، لمجرد أنه يصرّ على توثيق الجرائم الإسرائيلية أو السعي لمحاسبتها. ففي سبتمبر/أيلول 2025، فُرضت عقوبات على ثلاث من أبرز منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية – الميزان والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان والحق – بعد دورها في تحريك دعاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية بشأن جرائم محتملة في غزة، في خطوة وصفتها هذه المنظمات بأنها “عقاب سياسي” على اللجوء لآليات العدالة الدولية.
باحثون وخبراء في سياسات مكافحة الإرهاب – مثل البروفيسور جيرون غونينغ من كينغز كوليدج لندن – حذّروا سابقًا من أن توسيع قوائم “الإرهاب” بهذه الصورة قد يقود إلى تجريم العمل الإنساني نفسه في غزة، لأن أي منظمة تتعامل مع السلطات القائمة بحكم الأمر الواقع أو تعمل ميدانيًا وسط بنية اجتماعية معقدة، تصبح معرّضة في أي لحظة لاتهامات “التعاون مع فصيل محظور”، وما يترتب على ذلك من تجميد حسابات وملاحقات.
في الواقع، تأتي هذه العقوبات بينما تواجه المنظمات الإنسانية أصلاً قيودًا إسرائيلية غير مسبوقة على دخول الموظفين والأدوية والمعدات إلى غزة، مع قرارات متتالية بمنع أو تعليق عمل عشرات المنظمات الإغاثية الدولية، في وقت تحذّر فيه تقارير الأمم المتحدة من أن ملايين السكان يعيشون في ظروف فقر وجوع وانهيار شبه كامل للبنية الصحية والخدمية.
بهذا، تتحوّل غزة إلى ساحة مزدوجة الحصار: حصار عسكري–إسرائيلي يخنق الأرض والناس، وحصار مالي–سياسي تقوده واشنطن يخنق من يحاولون إغاثة هؤلاء الناس أو تمثيلهم سياسيًا في الخارج. وبين خطاب أمريكي يتحدث عن “منع تمويل الإرهاب”، وواقع ميداني يتحدث عن عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى ودمار هائل، تبدو العقوبات الجديدة أقرب إلى رسالة ردع لكل من يفكر في دعم الفلسطينيين خارج السردية الرسمية السائدة، لا سيما في زمن تُعرَّف فيه الإنسانية ذاتها كـ“مخاطرة قانونية” إذا كانت وجهتها غزة.

