د. إبراهيم حمامي
كاتب وباحث سياسي فلسطيني، مدير مركز الشؤون الفلسطينية بلندن
لم يظهر ما سُمّي بـ "مجلس السلام" الذي أطلقه دونالد ترامب في فراغ سياسي أو تاريخي. بل جاء في لحظة تشهد فيها المنظومة الدولية تصدّعًا غير مسبوق: حرب إبادة في غزة تُبَثّ على الهواء، شلل شبه كامل في مجلس الأمن، تصاعد غير مسبوق لدور المحاكم الدولية، وفي المقابل هجوم غربي منظم على هذه المحاكم حين تقترب من إسرائيل. في هذا السياق، لا يمكن قراءة مجلس ترامب باعتباره مجرد "مبادرة سلام"، بل كجزء من إعادة هندسة أعمق لكيفية إدارة النزاعات خارج إطار القانون الدولي عندما يصبح هذا القانون مزعجًا سياسيًا.
أولًا ـ لماذا ليس بديلًا للأمم المتحدة؟ ولكن لماذا يشكّل خطرًا عليها؟
من حيث الشكل، لا يزال مجلس ترامب للسلام عاجزًا عن أن يكون بديلًا مؤسسيًا للأمم المتحدة. فالأمم المتحدة ليست منصة تفاوض فحسب، بل منظومة شرعية قائمة على ميثاق دولي، عضوية شبه شاملة، أجهزة قضائية، وآليات تنفيذ – مهما كانت معطلة سياسيًا.
أما مجلس ترامب، فهو بنية هجينة: نادي سياسي تقوده شخصية واحدة، تُحدد عضويته بالدعوة والتمويل والنفوذ، لا بالسيادة المتساوية أو الالتزامات القانونية.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن يحلّ محلّ الأمم المتحدة فورًا، بل في أنه يخلق ساحة بديلة للشرعية: بدلًا من أن تُدار النزاعات في فضاء القانون الدولي، تُدار في فضاء "الصفقات السياسية".
وهذا فارق جوهري: في الأمم المتحدة، يمكن لدولة صغيرة أن تستند إلى نص قانوني وقرار أممي. في مجلس ترامب، لا تحكم النصوص، بل موازين القوة، والمساهمة المالية، والعلاقة السياسية بالرئيس الأميركي.
ثانيًا ـ فلسطين لم تُخذل فقط من القوى الكبرى، بل من النظام الدولي نفسه
ومع ذلك، فإن الدفاع عن القانون الدولي في مواجهة مجلس ترامب لا يعني تبرئة هذا القانون ولا مؤسساته من مسؤولياتها التاريخية تجاه فلسطين.
فالحقيقة المؤلمة هي أن الفلسطينيين خُذِلوا لعقود ليس فقط بالفيتو الأميركي، بل أيضًا بعجز المنظومة الدولية نفسها عن فرض قراراتها أو حماية شعب واقع تحت احتلال عسكري استيطاني.
قرارات لا تُحصى صدرت منذ 1947: حول اللاجئين، والاحتلال، والاستيطان، والقدس، وحق تقرير المصير، لكنها بقيت في معظمها حبرًا على ورق.
المؤسسات الدولية تحوّلت تدريجيًا، في نظر كثير من الفلسطينيين والعرب، من أدوات عدالة إلى مسار بيروقراطي لإدارة الظلم.
لهذا، فإن فقدان الثقة بالقانون الدولي ليس وليد ترامب، بل نتيجة تاريخ طويل من الإخفاق، والازدواجية، والتواطؤ أحيانًا. لكن الفارق هنا جوهري: عجز القانون الدولي شيء، وتفكيكه عمدًا واستبداله بمنصات قوة شيء آخر تمامًا.
ثالثًا ـ من القانون إلى الصفقة كيف يُعاد تعريف "السلام"؟
القانون الدولي يقوم على فكرة بسيطة لكنها خطيرة على القوى الكبرى: أن الحق لا يُقاس بالقوة، بل بالنص، وأن الجريمة لا تسقط بالتفاوض. لكن ما تطرحه مبادرة ترامب هو نموذج مختلف جذريًا: السلام ليس نتيجة تطبيق القانون، بل نتيجة اتفاق بين الأقوياء. وهنا تكمن آلية الالتفاف: إذا أصبح السلام هو "وقف القتال وإدارة الواقع" بدل "إنهاء الاحتلال ومحاسبة الجرائم"، فإن القانون الدولي يتحول إلى عبء، لا إلى مرجعية.
ومن هنا، يصبح وجود منصة مثل مجلس ترامب مغريًا للغرب: يمكنك أن تقول: "نحن نعمل من أجل السلام"، بينما تتجاوز فعليًا الأسئلة الأخطر: من احتل؟ من قتل؟ من دمّر؟ من يجب أن يُحاسَب؟
رابعًا ـ إسرائيل كاختبار حقيقي للنوايا
لا يوجد ملف يكشف هذه الديناميكية مثل فلسطين. على مدى عقود، أصدرت الأمم المتحدة عشرات القرارات التي تدين الاحتلال والاستيطان والضمّ، لكن الولايات المتحدة استخدمت الفيتو مرارًا لحماية إسرائيل.
ومع حرب غزة الأخيرة، تكرر المشهد: كلما اقترب مشروع قرار من وقف حقيقي للنار أو من تحميل إسرائيل مسؤولية قانونية، اصطدم بالفيتو الأمريكي. هنا يظهر التناقض الجوهري: المنظومة القانونية الدولية بدأت تتحرك ـ محكمة العدل الدولية، المحكمة الجنائية الدولية، لجان تحقيق ـ بينما المنظومة السياسية الغربية تحاول كبح هذا المسار.
في هذا السياق، يصبح مجلس ترامب أداة مثالية: بدلًا من أن يُناقش ما إذا كانت إسرائيل ارتكبت جرائم حرب أو إبادة، يُناقش كيف نُعيد إعمار غزة، ومن يديرها، وكيف نمنع "العنف" في المستقبل. الضحية تتحول إلى "مشكلة إنسانية". والجريمة تتحول إلى "نزاع سياسي". والمحاسبة تُستبدل بـ"خارطة طريق".
خامسًا ـ لماذا هذا ليس حيادًا بل انحيازًا مقنّعًا؟
القول بأن مجلس ترامب "يتجاوز القانون الدولي عندما لا يناسب ترامب أو الغرب" ليس اتهامًا أيديولوجيًا، بل توصيفًا وظيفيًا.
القانون الدولي، حين يتعلق بإسرائيل، أصبح فجأة "معقدًا"، "غير عملي"، "مسيسًا". لكن عندما يتعلق بروسيا، إيران، أو دول الجنوب، يصبح مقدسًا وفوريًا. هذه هي الانتقائية بعينها: ليس إنكار القانون، بل تفعيله ضد الخصوم وتعليقه للحلفاء. ومجلس ترامب، في هذا السياق، لا يلغي الأمم المتحدة، بل يُفرغها من محتواها عندما تقترب من الخطوط الحمراء الغربية.
من سلام القواعد إلى سلام الإدارة
ليست خطورة "مجلس ترامب للسلام" في كونه سيطيح بالأمم المتحدة أو يمحو القانون الدولي دفعة واحدة. هذا سيناريو فجّ وغير مرجّح. الخطورة الحقيقية أعمق وأكثر خبثًا: أن تُنشأ مسارات بديلة تُفرغ ما تبقى من الشرعية الدولية من مضمونها، دون أن تُعلن ذلك. فحين تصبح قضايا مثل الاحتلال، والاستيطان، والتهجير، وجرائم الحرب، ملفات تُدار داخل أطر سياسية مغلقة، بدلًا من ساحات القانون الدولي، فإننا نكون قد انتقلنا من عالم الحقوق إلى عالم الإدارة: إدارة الأزمات بدل حلّها، وإدارة الشعوب بدل تحريرها، وإدارة المظالم بدل محاسبة من صنعها.
وهذا التحول هو ما يجعل الحالة الفلسطينية أكثر من مجرد ساحة اختبار؛ إنها النموذج الذي تُقاس عليه مصداقية النظام العالمي كله.
فإذا أمكن تحويل أطول احتلال في العصر الحديث إلى ملف "إعادة إعمار" و"حوكمة أمنية" و"ترتيبات إقليمية" دون مساءلة قانونية، فإن أي شعب آخر سيكون عرضة للمصير نفسه.
وهنا تكتسب كلمات المؤرخة الفلسطينية نائلة الوعري وزنها الكامل: "ليس الخطر الحقيقي في مجلس السلام أنه سيقوّض أو يستبدل الأمم المتحدة كمؤسسة دولية، فهذا غير واقعي. الخطر الأعمق هو أن يتحوّل إلى مسار موازٍ، يُستخدم لتجاوز القرارات الدولية القائمة، واستبدال منطق الحقوق والسيادة بمنطق الإدارة والاحتواء، خصوصًا في الحالة الفلسطينية.
نحن لسنا أمام إلغاء للقانون الدولي، بل أمام تفريغه انتقائيًا حين يصبح عبئًا سياسيًا على بعض الدول. سؤال مفتوح للنقاش: هل ما نشهده بحث عن سلام كما يُدّعون، أم محاولة لإدارة الصراع وتقاسم كلفة الاحتلال بأدوات جديدة؟"
بهذا المعنى، لا يقف مجلس ترامب في مواجهة نظام دولي عادل، بل في مواجهة نظام مأزوم؛ لكن ما يعرضه ليس تصحيحًا لهذا المأزق، بل تثبيتًا له في صيغة أكثر قسوة: عالم لا يُحاكم فيه القوي، بل يُكافأ على قدرته على فرض "الهدوء". وهذا هو الفارق بين سلام القانون وسلام القوة.

