مرة أخرى، يقدّم المشهد السياسي في مصر نموذجًا صارخًا لـ«القفز على الواقع»، حيث تُستكمَل كل الطقوس الدستورية والإجرائية بعناية شديدة، من أطول عملية انتخابية منذ 1952 استمرت 99 يومًا، إلى جلسة افتتاح مهيبة في البرلمان الجديد بالعاصمة الإدارية، مرورًا بأداء اليمين وانتخاب الرئيس والوكيلين وتعيين 28 نائبًا بقرار رئاسي؛ بينما تبقى الأسئلة الحقيقية معلّقة: من يمثّل هذا المجلس؟ ولصالح من يعمل؟ وهل يمتلك أصلًا القدرة أو الرغبة في ممارسة دور تشريعي ورقابي مستقل أم أنه مجرد «سكرتارية موسعة» في خدمة سلطة واحدة؟

 

الفصل التشريعي الجديد يبدأ وسط جدل واسع حول نزاهة العملية الانتخابية، وحول طبيعة الشخصيات التي تدير غرفتي البرلمان، والأدوار المرسومة مسبقًا لمؤسسة تشريعية تبدو مكتملة الشكل، منزوعة المضمون السياسي، ومحكومة مسبقًا بقواعد لعبة لا يملك نوابها تعديلها أو الاعتراض عليها.

 

قفز إجرائي إلى الأمام.. وبرلمان بروح «أمن الدولة»

 

انتقادات المستشار طارق مقلد تلخص جوهر التحوّل؛ إذ يرى أن اختيار شخصيات ذات خلفية قضائية وأمنية، خصوصًا من دوائر القضاء الاستثنائي مثل نيابة أمن الدولة العليا ومحكمة أمن الدولة، لرئاسة مجلسي النواب والشيوخ، ليس تفصيلاً في السيرة الذاتية، بل مؤشر على تغيّر طبيعة الدور التشريعي نفسه.

 

مقلد حذّر عبر هاشتاجات مثل #أمن_الدولة #انهيار_دولة_القانون #السلطة_الواحدة من أن الجمع بين خبرة عميقة في ملفات القمع السياسي والأمن الداخلي، وبين قيادة المؤسسات التشريعية، ينسف عمليًا مبدأ الفصل بين السلطات، ويحوّل البرلمان من ساحة تمثيل ومساءلة إلى امتداد ناعم لأجهزة الضبط الأمني.

 

ففي النموذج النظري، البرلمان مساحة لتعدد الآراء، وصراع البرامج، وتمثيل الفئات المهمشة. أما حين يوضع على رأسه من تشكّل وعيه المهني داخل غرف التحقيق الاستثنائي وملفات الأمن الوطني، فإن روح المؤسسة تنزاح تلقائيًا نحو منطق «إدارة المجتمع» لا تمثيله، و«تأمين النظام» لا مراقبته.

 

بهذا المعنى، لا يعود الخلاف مع الأسماء بقدر ما يصبح مع طبيعة الدولة التي تُصمَّم؛ دولة تُركّز السلطات التشريعية والتنفيذية والرقابية في أيدٍ ذات خلفيات متقاربة، بما يهدد أي توازن مؤسسي حقيقي، ويحوّل الدستور إلى ديكور يعلو فوق واقع سلطوي واحديّ.

 

انتخابات طويلة.. شرعية منقوصة وتركيبة مريحة للمال السياسي

 

من حيث الشكل، جرت الانتخابات وفق جدول زمني معقد امتد 99 يومًا، أعيد خلالها الاقتراع في 49 دائرة من أصل 70 في المرحلة الأولى؛ وهي نسبة غير مسبوقة تكشف حجم الاضطراب الإجرائي وكثافة الطعون على القوائم والمرشحين.

ورغم ذلك، لم تُفتح نقاشات جادة حول معنى هذا الخلل، ولا حول ما إذا كانت الإعادة تعبيرًا عن تصحيح أم عن فوضى منظّمة في إدارة العملية.

 

منظمات محلية ودولية أشارت إلى ضعف واضح في الإقبال مقارنة بانتخابات 2014، التي أعلنت السلطات أن المشاركة فيها بلغت 47%، بينما قدّرت دراسات بحثية مستقلة أن المشاركة في الانتخابات الأخيرة أقل بكثير، ما يضيف طبقة جديدة من الشك حول مدى تمثيل هذا المجلس الحقيقي للمجتمع.

 

ومع ذلك، مضت الدولة في جلسة افتتاح احتفالية بالعاصمة الإدارية، ركزت على مشهد القاعة الجديدة أكثر مما ركزت على مضمون البرلمان نفسه، وسط تذكير حقوقيين بأن الحديث عن «دستورية الجلسة» يفترض وجود دستور محترَم منذ 3 يوليو 2013، وهو ما لم يعد قائمًا إلا في الخطاب الرسمي.

 

التركيبة النهائية للمقاعد تكشف بدورها طبيعة «برلمان السيسي» الثالث:

 

  • حزب مستقبل وطن: 231 مقعدًا
  • حزب حماة وطن: 91 مقعدًا
  • حزب الجبهة الوطنية: 70 مقعدًا
  • مستقلون متفرقون: 109 مقاعد بلا كتلة معارضة موحدة
  • أحزاب المعارضة مجتمعة: أقل من 10% من المقاعد

 

هي خريطة أغلبية كاسحة صنعتها تحالفات السلطة والمال السياسي، وليست خريطة تعكس تعددية حقيقية.

برلمان بهذه الصيغة «مريح» للغاية للحكومة والرئاسة، لكنه فقير في قدرته على إنتاج نقاش عام، أو خلق توازن، أو ممارسة رقابة فعالة على السلطة التنفيذية التي صنعت هذه الأغلبية بيديها.

 

«القفز إلى الأمام» وشراء الوقت: فاتورة ما بعد السيسي تتضخم

 

على مستوى الأداء، يذكّر كثير من المتابعين بأن برلمانات ما بعد 2016 مرّرت تقريبًا كل القوانين التي جاءت من الحكومة بنسبة موافقة تجاوزت في بعض السنوات 95% من إجمالي التصويتات، مع غياب شبه تام لمعارضة برلمانية قادرة على إسقاط قانون واحد أو حتى تعطيله.

لم تُسجَّل مساءلات حقيقية، ولم تُطرح ملفات كبرى – من الديون إلى التفريط في الأرض إلى انتهاكات حقوق الإنسان – في مواجهة جدية مع الحكومة.

 

في هذا السياق، تبدو «سياسة القفز إلى الأمام» التي يتحدث عنها الإعلامي نور الدين عبد الحافظ جزءًا أصيلًا من طريقة حكم السيسي: كلما تراكمت الأزمات – اقتصادية، اجتماعية، أو سياسية – يتم الإعلان عن خطوة جديدة للأمام: انتخابات، برلمان جديد، تعديل وزاري، عاصمة إدارية، مشروعات عملاقة، أو حتى «حادث إرهابي» وفق الدراما المعهودة، لصرف الأنظار عن الأسئلة الأصلية حول الفقر والديون وغياب الحريات.

 

النتيجة، كما يصفها منتقدون، أن السيسي لم يحل أزمة واحدة من جذورها، بل راكمها فوق بعضها بالقفز المستمر إلى الأمام، ما ضاعف «فاتورة ما بعده» في كل المجالات: اقتصاد منهك، منظومة دين هائلة، مؤسسات تشريعية شكلية، وقضاء مُسيّس، ومجتمع مدني محاصر.

 

في هذا المشهد، يبدأ «برلمان العسكر (3)» فترته الجديدة بأغلبية واسعة، ومعارضة هامشية، وانتخابات طويلة لم تغيّر شيئًا في قواعد اللعبة. كل الإجراءات مكتملة: نواب أدّوا اليمين، ورئيس انتُخب، وقرارات رئاسية صدرت.

 

لكن السؤال الجوهري يبقى معلّقًا: هل يستطيع هذا البرلمان – ببنيته الحالية وانبثاقه من عملية انتخابية مطعون في تمثيلها – أن يتحول إلى ساحة نقاش وتمثيل حقيقي؟ أم أنه سيبقى مجرد مشهد إضافي في مسلسل «القفز على الواقع»، يشتري للنظام مزيدًا من الوقت، بينما تتضخم الأزمات التي سيتعيّن على المصريين مواجهتها يومًا ما، في غياب كل هذه الزينة المؤسسية؟