كشفت دراسة مثيرة للدهشة عن وجود صلة بين الأطعمة اليومية، مثل الجبن الكريمي والمكرونة المصنوعة من القمح الكامل، وزيادة خطر الإصابة بالتوحد، من خلال تأثيرات دقيقة على الجهاز المناعي.
وحلل باحثون من مستشفى تشيلو التابع لجامعة شاندونج في الصين، البيانات الجينية التي يمكن أن تُعطي أدلة حول عادات الأكل طويلة المدى لدى الناس، مما سمح لهم باستكشاف ما إذا كانت أنماط النظام الغذائي مدى الحياة مرتبطة بالتوحد.
ومن بين ما يقرب من 200 نوع من الأطعمة التي تم فحصها، برز نوعان. المكرونة المصنوعة من القمح الكامل، والتي تحتوي على الجلوتين، والجبن القابل للدهن، الغني بالكازين، وهو بروتين الحليب، ارتبط كلاهما بزيادة احتمالية الإصابة بالتوحد في التحليل.
وأظهر الموز نمطًا معاكسًا، حيث بدا أن الأشخاص الأكثر ميلاً لتناوله أقل عرضة للإصابة بالتوحد، كما ذكرت صحيفة "ديلي ميل".
المكرونة المصنوعة من القمح الكامل والجبن القابل للدهن
ولخص الباحثون نتائجهم، قائلين: "تشير دراستنا إلى أن تناول المكرونة المصنوعة من القمح الكامل والجبن القابل للدهن هو عامل خطر للإصابة باضطراب طيف التوحد".
وغالبًا ما يصاحب التوحد مشاكل في الجهاز الهضمي مثل الإمساك والإسهال وآلام البطن، وتشير بعض الدراسات إلى وجود اختلافات في بكتيريا الأمعاء لدى الأشخاص المصابين بالتوحد.
ولهذا السبب، أصبح النظام الغذائي مجالاً ذا أهمية متزايدة- على الرغم من أن الخبراء يقولون إن الأدلة على أن التغييرات الغذائية تُحسّن أعراض التوحد لا تزال مختلطة.
ونتيجة لذلك، تحاول بعض العائلات تغيير ما يأكله أطفالها، بما في ذلك استبعاد الجلوتين ومنتجات الألبان.
وتُناقش هذه الأساليب على نطاق واسع، وينقسم الرأي الطبي حول ما إذا كانت تساعد الأطفال المصابين بالتوحد بشكل عام، أم فقط مجموعة فرعية صغيرة تعاني من مشاكل في الجهاز الهضمي.
أطعمة ترتبط بالتوحد
وخلال الدراسة الجديدة، التي نُشرت في مجلة "فرونتيرز إن نيوترشن"، أجرى الباحثون تحليلين منفصلين.
أولاً، قاموا بفحص مجموعات البيانات الجينية الكبيرة لمعرفة ما إذا كان الأشخاص الذين لديهم ميل مدى الحياة لتناول أطعمة معينة أكثر أو أقل عرضة للإصابة بالتوحد.
ويؤكد الباحثون أن هذا لا يعني أن تناول أطعمة معينة أو تجنبها يسبب التوحد، أو أن النظام الغذائي يمكن أن يقي منه. فالتوحد موجود منذ الولادة، حتى وإن لم يتم تشخيصه إلا في مراحل لاحقة من الطفولة.
كما بحث الفريق فيما إذا كان النشاط المناعي قد يساعد في تفسير الروابط التي لاحظوها.
ووجدوا دلائل تشير إلى أن دهن الجبن، على وجه الخصوص، كان مرتبطًا بتغيرات في المؤشرات المناعية المرتبطة بالعدوى والالتهاب، على الرغم من أن التأثيرات كانت صغيرة ومعقدة.
أعراض التوحد
وفي الجزء الثاني من الدراسة، راجع الباحثون السجلات الطبية لـ 78 طفلاً مصابًا بالتوحد تتراوح أعمارهم بين سنتين وسبع سنوات.
وبدعم من والديهم، اتبع حوالي نصفهم نظامًا غذائيًا خاليًا من الجلوتين ومنتجات الألبان لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، بينما استمر الباقون في نظامهم الغذائي المعتاد.
وتتبع الباحثون التغيرات في السلوك، بما في ذلك الأفعال المتكررة وأنماط الكلام والتفاعل الاجتماعي، كما قاموا بقياس المؤشرات المناعية المرتبطة بالحساسية تجاه الحليب والقمح.
مع نهاية فترة الدراسة، لم يكن هناك فرق واضح في درجات أعراض التوحد القياسية بين المجموعتين، ومع ذلك، أظهر الأطفال الذين تجنبوا الجلوتين ومنتجات الألبان انخفاضًا ملحوظًا في الأجسام المضادة المناعية المرتبطة بالحليب والقمح.
وقال الباحثون إن هذا أظهر أن النظام الغذائي يمكن أن يؤثر على الاستجابات المناعية، وكتبوا أن "الالتزام بنظام غذائي خالٍ من الجلوتين والكازين يمكن أن يُعدّل بشكل فعال الاستجابات المناعية الخاصة بالأطعمة".
لكنهم حذروا من أن هذا لا يعني أن النظام الغذائي علاجٌ للتوحد. وأكدوا في بحثهم: "قد تُسهم التعديلات الغذائية في دعم الصحة العامة للأفراد المصابين باضطراب طيف التوحد، لكنها ليست علاجًا مباشرًا له".
ويقول خبراء مستقلون إن دراسات كهذه قد تساعد في رصد الأنماط، لكنها لا تثبت أن الأطعمة تسبب التوحد، أو أن تغيير النظام الغذائي علاج فعال. كما يحذرون من أن الأنظمة الغذائية المقيدة قد تنطوي على مخاطر إذا لم تُدار بعناية، لا سيما بالنسبة للأطفال الصغار.
وأقر الباحثون أنفسهم بمحدودية الدراسة، لافتين إلى أنه "نظرًا لصغر حجم العينة نسبيًا في الدراسة الحالية، هناك حاجة إلى مزيد من التحقق في دراسات كبيرة ومتعددة المراكز".
والتوحد حالة نمائية تستمر مدى الحياة، وتؤثر على كيفية تواصل الأفراد وتفاعلهم وإدراكهم للعالم. وهو ليس مرضًا، فالأشخاص المصابون بالتوحد يولدون مصابين به، حتى وإن لم تظهر عليهم الأعراض إلا في مراحل لاحقة من حياتهم.

