في مشهد اجتماعي بالغ التعقيد، لم يعد مصطلح "المرأة المعيلة" في مصر مقتصرًا على الأرامل أو المطلقات، بل اتسع ليشمل شريحة جديدة من الزوجات اللواتي يعشن مع أزواجهم تحت سقف واحد، لكنهن يحملن عبء الإنفاق بالكامل.

بين مطرقة الحاجة الاقتصادية وسندان الوصم الاجتماعي، تجد مئات الآلاف من النساء أنفسهن في سباق يومي محموم بين وظيفتين أو أكثر، لتأمين حياة أسرة تخلى "ربها" النظري عن مسؤولياته، سواء قسرًا بسبب المرض، أو طوعًا بسبب التواكل والإدمان.

 

وتكشف البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء مطلع عام 2025 عن عمق التحول في بنية الأسرة المصرية، حيث بلغ عدد الأسر التي تعولها نساء نحو 5.9 ملايين أسرة، وهو ما يمثل 22.3% من إجمالي الأسر في البلاد.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات صامتة، بل تخفي وراءها قصصًا لنساء مثل "روضة" و"دعاء" و"منار"، اللواتي استبدلن الراحة بالعمل الشاق للحفاظ على "هيكل أسرة" يوشك على الانهيار، مدفوعات بخوف عميق من المجهول وبتحليلات نفسية ومجتمعية تفسر بقاءهن في هذه العلاقات غير المتكافئة.

 

سيكولوجية البقاء: لماذا يتمسكن بـ "ظل الرجل"؟

 

يغوص الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، في العمق النفسي لهذه الظاهرة، محاولًا تفسير "اللغز" الذي يدفع امرأة قادرة على الكسب والاستقلال المادي إلى البقاء مع زوج لا يقدم لها سوى الأعباء. يرى حجازي أن الاستقلال المادي للمرأة لا يعني بالضرورة قدرتها النفسية على الاستقلال الاجتماعي.

 

ويشير الخبير التربوي إلى أن الموروث الشعبي المتمثل في مقولة "ظل رجل ولا ظل حيطة" لا يزال يحكم تصرفات قطاع عريض من النساء. فالزوجة هنا تشتري "الواجهة الاجتماعية" بمالها وجهدها؛ فهي تخشى لقب "مطلقة" أكثر من خشيتها من التعب الجسدي.

ويضيف حجازي أن هناك دوافع أخرى معقدة، مثل "التعلق المرضي" بالزوج رغم عيوبه، أو الرغبة في توفير أب صوري للأبناء حفاظًا على توازنهم النفسي، كما في حالة "دعاء" التي ترفض الطلاق من زوجها المدمن حرصًا على أطفالها، أو "منار" التي ترى في زوجها العاجز سندًا معنويًا رغم إنفاقها الكامل.

 

ويحلل حجازي هذا السلوك بأنه نوع من "التنازل الطوعي" الذي قد يكون مدفوعًا بالأمل في تحسن الظروف مستقبلًا، أو الخوف من تحمل مسؤولية القرارات المنفردة بالكامل أمام المجتمع، مما يجعل المرأة تفضل "الظلم الآمن" داخل الزواج على "العدل المخيف" خارجه.

 

القانون والشريعة: حقوق معطلة ومبدأ "لا طاعة بلا نفقة"

 

على الجانب الآخر، يفكك المحامي مصطفى علوان التشابك بين الواقع المعاش والنصوص القانونية والشرعية. فمن الناحية القانونية، يؤكد علوان أن المشرع المصري والشريعة الإسلامية يقفان بوضوح في صف الزوجة. فالقاعدة الفقهية الراسخة "لا طاعة بدون نفقة" تؤكد أن قوامة الرجل مرتبطة بإنفاقه، وأن إخلاله بهذا الشرط يمنح الزوجة حقوقًا واسعة تصل إلى طلب التطليق والحصول على النفقات.

 

ومع ذلك، يرى علوان أن الفجوة تكمن في التطبيق والآليات المجتمعية. فالكثير من الزوجات، مثل "صفاء" التي تتعرض لتهديدات زوجها وعائلته، لا يجدن في المسار القضائي حلًا ناجزًا لمخاوفهن الأمنية أو الاجتماعية. وهنا يشدد علوان على نقطة جوهرية، وهي أن "الحل القانوني" يجب أن يكون الملاذ الأخير، داعيًا المؤسسات المجتمعية للتدخل قبل وصول النزاع إلى المحاكم.

 

ويرى الخبير القانوني أن حماية الأسرة من التفكك تتطلب تفعيل دور مكاتب التسوية الأسرية والمؤسسات الدينية بشكل حقيقي وليس صوريًا، لأن انهيار الأسرة – حتى وإن أنصف القانون المرأة ماديًا – يترك ندوبًا نفسية واجتماعية عميقة على الأبناء والمجتمع ككل.

 

الواقع الاقتصادي: أمومة تحت الحصار

 

تتقاطع آراء الخبراء مع الواقع الاقتصادي القاسي الذي تفرضه القصص الحية. فالتحول الجذري في الأدوار، حيث تعمل الزوجة في وظيفتين (حكومية وخاصة، أو مهنية وحرفية) بينما الزوج عاطل أو يكتفي بدخل لا يشارك به، يعكس خللًا في "العقد الاجتماعي" للزواج في مصر.

 

تشير الحالات المرصودة إلى أن الفقر والضغوط الاقتصادية المتزايدة، مع تراجع القيمة الشرائية وارتفاع الأسعار، جعلت من "عمل المرأة" ضرورة قصوى وليس خيارًا للرفاهية. لكن الأخطر هو تحول هذا العمل من "مشاركة" إلى "إحلال كامل" لدور الزوج. هذا الوضع يخلق نموذجًا مشوهًا للأسر، حيث الأم هي "الدينامو" الذي يعمل بلا توقف، بينما الأب يتحول إلى عبء إضافي، كما في حالة الزوج الذي يرفض العمل رغم صحته الجيدة معتمدًا على راتب زوجته.

 

ختامًا، يتفق الخبراء على أن استمرار هذا الوضع دون تدخلات مؤسسية (توعوية من المجلس القومي للمرأة، ودينية من المؤسسات الشرعية، وقانونية لتسريع إجراءات الحماية) ينذر بتآكل الطبقة الوسطى وتصدع القيم الأسرية، حيث تتحول الزوجة إلى "آلة إنتاج" تستنزف إنسانيتها وأمومتها في سبيل توفير لقمة العيش، في ظل صمت مجتمعي يعتبر تضحيتها "واجبًا" وليس "استثناءً".