تتحرك الرياض بهدوء ولكن بسرعة لبناء تحالف عسكري جديد يضم السعودية ومصر والصومال، في خطوة تعكس تحوّلًا مهمًا في خريطة المحاور الإقليمية، خاصة على ساحل البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وبحسب وكالة “بلومبيرغ”، فإن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يستعد لزيارة السعودية خلال الأيام المقبلة لوضع اللمسات النهائية على الاتفاق، الذي يستهدف رسميًا تعزيز أمن البحر الأحمر، وعمليًا الحد من النفوذ المتزايد للإمارات في المنطقة.
تأتي المبادرة السعودية بعد أيام من قرار مقديشو إلغاء جميع الاتفاقيات الأمنية والمينائية مع الإمارات، متهمة أبوظبي بانتهاك سيادة الصومال عبر استخدام أراضيه لتهريب زعيم انفصالي يمني، وفي سياق توتر أوسع على خلفية الدعم الإماراتي لأرض الصومال، واعتراف الاحتلال الإسرائيلي بها ككيان مستقل لأول مرة.
خلفية التوتر السعودي–الإماراتي: من اليمن إلى البحر الأحمر
رغم أن السعودية والإمارات ظلتا لعقد كامل تقريبًا تُقدَّمان كحليفين متلازمين في ملفات المنطقة، فإن التوتر بينهما لم يعد سرًا، لا سيما في اليمن وأمن الممرات البحرية.
فبحسب التسريبات المنقولة عن مصادر دبلوماسية، مارست الرياض ضغوطًا على أبوظبي لسحب قواتها من اليمن، في ظل تنافس حاد على التحكم بالموانئ والجزر وخطوط الملاحة، قبل أن تنتقل ساحة الاشتباك البارد نحو القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
في هذا السياق، جاء التحالف الجديد مع القاهرة ومقديشو كرسالة مزدوجة: أولًا، إعادة تثبيت السعودية كقوة مركزية تشرف على “هندسة الأمن” في البحر الأحمر، وثانيًا، تطويق النفوذ الإماراتي الذي تمدد عبر استثمارات عسكرية وتجارية في موانئ بربرة وبوصاصو ومناطق أخرى في القرن الأفريقي خلال السنوات الماضية.
كما أن اختيار مصر ليس تفصيلًا ثانويًا، فالقاهرة تملك بدورها أوراقًا حساسة على البحر الأحمر وقناة السويس، وتبحث عن أي إطار إقليمي يخفف عزلتها السياسية والأزمة الاقتصادية الخانقة، ويعيد تأكيد دورها كلاعب أمني في الإقليم، وإن كان هذا الدور يجري – عمليًا – تحت المظلة السعودية تمويلًا وقرارًا.
الصومال بين عروض الرياض وضغوط أبوظبي وتحدي أرض الصومال
الطرف الأكثر هشاشة – والأكثر أهمية في الوقت نفسه – هو الصومال. فمقديشو أعلنت، في 12 يناير، إلغاء جميع الاتفاقيات مع الإمارات في مجالات الموانئ والأمن والدفاع، متهمة أبوظبي باتخاذ “خطوات عدائية تهدد وحدة الصومال وسيادته”، في إشارة إلى التعامل المباشر مع الأقاليم الانفصالية وتسهيل مرور شخصيات انفصالية من وإلى اليمن عبر الأراضي الصومالية.
القرار جاء بعد تصاعد الغضب في مقديشو على خلفية اعتراف الاحتلال الإسرائيلي بأرض الصومال كدولة مستقلة نهاية ديسمبر 2025، في سابقة دولية خطيرة هزّت ملف الوحدة الترابية الصومالية، وفتحت الباب أمام مشاريع تموضع عسكري واستخباري على واحد من أهم شواطئ البحر الأحمر وباب المندب.
في هذه اللحظة شديدة الحساسية، دخلت الرياض بثقلها؛ فبحسب ما نقلته “بلومبيرغ” وتقارير أخرى، شجّع مسؤولون سعوديون الحكومة الصومالية على تقليص تعاونها الأمني مع الإمارات، مقابل وعود بدعم سياسي وعسكري مباشر، وصياغة تحالف يربط مقديشو بمحور سعودي–مصري قادر – نظريًا – على حماية السواحل الصومالية من التمدد الإماراتي والإسرائيلي معًا.
لكن الصورة داخل الصومال ليست بالبساطة التي ترغب الرياض فيها؛ إذ سارعت أقاليم مثل أرض الصومال وبونتلاند وجوبالاند إلى رفض قرار قطع العلاقات مع الإمارات، وأكدت تمسكها باتفاقياتها الاقتصادية والأمنية القائمة، بما فيها عقود تشغيل موانئ تديرها شركات إماراتية مثل “موانئ دبي العالمية”.
هذا الانقسام الداخلي يعني أن أي تحالف عسكري جديد لن يكون فقط أداة ضغط على أبوظبي، بل قد يتحول أيضًا إلى عامل إضافي في تعميق التجاذبات داخل البيت الصومالي نفسه، بين حكومة فيدرالية تبحث عن مظلة سعودية–مصرية، وأقاليم ترى مستقبلها في شراكات مباشرة مع الإمارات وقوى أخرى.
انعكاسات محتملة على خريطة المحاور وأمن الملاحة في البحر الأحمر
على مستوى البحر الأحمر، يأتي التحالف المرتقب في لحظة اضطراب غير مسبوقة: هجمات الحوثيين على السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية، عسكرة الممرات البحرية، اعتراف الاحتلال بأرض الصومال، تزايد الوجود العسكري لقوى دولية مثل الولايات المتحدة وفرنسا والصين، وكلها عوامل تجعل من أي محور جديد جزءًا من سباق محموم على من يمسك بـ “مفتاح الملاحة” بين آسيا وأوروبا.
من الناحية النظرية، يمكن لتحالف سعودي–مصري–صومالي أن يُستخدم لتنسيق الدوريات البحرية، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وتأمين السواحل في وجه القرصنة والجماعات المسلحة، وموازنة النفوذين الإماراتي والإسرائيلي في أرض الصومال وباقي القرن الأفريقي.
لكن على أرض الواقع، يبقى السؤال: هل الهدف فعلا هو بناء منظومة أمن جماعي شاملة، أم مجرد نقل ساحة الصراع السعودي–الإماراتي إلى صيغة أكثر تنظيمًا، ولكن لا تقل خطورة على استقرار الدول الضعيفة مثل الصومال واليمن؟
كما أن إدخال مصر في هذا التحالف لا ينفصل عن أزماتها الداخلية؛ فالقاهرة بحاجة ماسة إلى الدعم المالي السعودي، وقد تجد نفسها، بحكم هذا الاحتياج، جزءًا من استراتيجية سعودية أوسع لإعادة رسم التوازنات مع الإمارات وتركيا وقطر في الإقليم.
وهو ما قد يضع الجيش المصري في قلب ترتيبات أمنية خارج حدوده، بينما يعاني الداخل من ضغوط اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة.
في المقابل، لا يُتوقَّع أن تقف أبوظبي مكتوفة الأيدي؛ فالإمارات بنت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من التحالفات الاقتصادية والأمنية في موانئ القرن الأفريقي واليمن، واستثمرت مليارات الدولارات في بربرة وبوصاصو وغيرها، ولن تتخلى بسهولة عن موقعها كفاعل رئيسي على خط البحر الأحمر–خليج عدن.
وقد تلجأ إلى تعميق شراكاتها مع الأقاليم الصومالية الخارجة عن سيطرة مقديشو، وتكثيف تعاونها مع الاحتلال وأطراف إقليمية أخرى، ما ينذر بالمزيد من تفتيت المشهد الصومالي وتعقيد ملفات الوحدة والسيادة.
في المحصلة، يعكس “التحالف العسكري الجديد” أكثر مما يعلن؛ فهو ليس مجرد ترتيبات تقنية لأمن البحر الأحمر، بل حلقة جديدة في سلسلة صراعات المحاور الخليجية على النفوذ والموانئ والمضائق، تُستخدم فيها دول هشّة مثل الصومال كساحة اختبار لمشاريع القوى الأكبر، فيما يظل الأمن الحقيقي – أمن الشعوب ووحدة أراضيها – هو الغائب الأكبر عن طاولة الحسابات.

