في سابقة فاضحة تمسّ هيبة القضاء قبل أن تمسّ سمعة الحكومة، أحالت جهات التحقيق وزير التربية والتعليم إلى المحاكمة الجنائية أمام محكمة جنح القاهرة الجديدة، بتهمة الامتناع عمدًا عن تنفيذ حكم قضائي نهائي واجب النفاذ، الصادر بطرده بصفته من مدرسة مؤجرة بمحافظة المنيا وتسليمها إلى ملاكها خالية من الشواغل، رغم تأييد الحكم ابتدائيًا واستئنافيًا، ورغم إنذاره رسميًا وثبوت علمه به.
الدعوى لم تكتفِ بطلب حبس الوزير وعزله من منصبه، بل طالبت أيضًا بتعويض مدني قدره مليون جنيه، استنادًا إلى المادة 123 من قانون العقوبات، التي تجرّم صراحة امتناع الموظف العام عن تنفيذ الأحكام القضائية. وهكذا يجد وزير التعليم نفسه متهمًا ليس فقط بسوء إدارة ملف المدارس المؤجرة، بل بازدراء سلطة القضاء في دولة يفترض أن "سيادة القانون" أحد شعاراتها الرسمية.
وزير التعليم في قفص الاتهام: ازدراء للقضاء لا مجرد نزاع إداري
ما جرى في مدرسة مؤجرة بالمنيا ليس خلافًا مدنيًا عاديًا بين مالك ومستأجر، بل قضية يتهم فيها أعلى مسؤول عن التعليم في البلاد بأنه رفض عمدًا تنفيذ حكم نهائي، رغم اكتمال درجات التقاضي ووصول الأمر إلى حُكم واجب النفاذ.
وفق ما هو ثابت في أوراق الدعوى، فإن الحكم قضى بطرد الوزير بصفته من المدرسة وتسليمها إلى ملاكها "خالية من الشواغل"، بعد سنوات من التقاضي، لكن الجهة التنفيذية تجاهلت الحكم، ما دفع الملاك إلى تحريك دعوى جنائية مباشرة ضد الوزير شخصيًا، والمطالبة بحبسه وعزله وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم.
استناد الدعوى إلى المادة 123 من قانون العقوبات يعكس خطورة الموقف؛ فهذه المادة لا تتحدث عن خطأ إداري أو تقصير عابر، بل عن "امتناع عمدي" من موظف عام عن تنفيذ حكم نهائي، بعد إنذاره رسميًا.
ما يعني أن الاتهام يتجاوز حدود النزاع المدني، ليضع وزير التعليم في مربع من يتعمد تعطيل أحكام القضاء، أو يستخدم سلطته في مواجهة مواطنين عاديين لا يملكون سوى أوراق قانونية يلوّحون بها في قاعات المحاكم.
هذه الصورة تطرح أسئلة قاسية: كيف يُطالب المعلمون والطلاب باحترام القانون والانضباط، ووزيرهم متهم – على الأقل بحكم أوراق الدعوى – بأنه ضرب بحكم قضائي نهائي عرض الحائط؟ وكيف يمكن الحديث عن "دولة قانون" بينما صاحب القرار في واحد من أهم وزاراتها متورط في قضية من هذا النوع؟
أزمة المدارس المؤجرة: مبانٍ خاصة تُستنزف ووزارة تتهرب من واجب الإخلاء
قضية مدرسة المنيا ليست سوى رأس جبل الجليد في ملف المدارس المؤجرة من مواطنين، وهو ملف قديم ومتعثر، تحوّل في كثير من الحالات إلى عبء على الملاك وعلى العملية التعليمية في آن واحد.
على مدى عقود، لجأت وزارة التربية والتعليم إلى استئجار مبانٍ مملوكة لمواطنين لتحويلها إلى مدارس، خاصة في القرى والمراكز التي تعاني من نقص حاد في المنشآت التعليمية الحكومية.
ومع مرور الزمن، توسعت الكتلة السكانية، وتآكلت القدرة الشرائية لقيمة الإيجارات القديمة، وبات كثير من الملاك عالقين في عقود طويلة الأجل أو أوضاع قانونية ملتبسة؛ مبانٍ متهالكة لا يستطيعون استردادها ولا استثمارها، ووزارة تتلكأ في الإخلاء أو التعويض العادل أو توفير بدائل.
من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار أن خروج مدرسة من الخدمة دون بديل يؤثر على مئات أو آلاف الطلاب، لكن أيضًا لا يمكن قبول تحويل "الاعتبارات التعليمية" إلى ذريعة دائمة للتعدّي على حقوق الملاك، وتعطيل أحكام القضاء، وإبقاء المواطنين أسرى لعقود مجحفة أو أوضاع قانونية معلّقة إلى ما لا نهاية.
واجب الدولة – ممثلة في وزارة التعليم – كان ولا يزال أن تخطط مسبقًا لإخلاء هذه المدارس المؤجرة، عبر:
- إنشاء مبانٍ حكومية بديلة في نفس المناطق.
- تعويض الملاك تعويضًا عادلًا يمكنهم من استعادة حقهم في استغلال أملاكهم.
- إنهاء العقود القديمة بطرق قانونية تحفظ حقوق الطرفين.
لكن ما حدث في قضية المنيا يوحي بعكس ذلك: وزير يتجاهل حكمًا نهائيًا، وملاك يُضطرون إلى اللجوء للدعوى الجنائية، ووزارة تتعامل مع الملكية الخاصة كأنها "مورد مجاني" يمكن الاستمرار في استنزافه بلا سقف زمني.
التعليم بين مطرقة الفوضى الإدارية وسندان غياب التخطيط
أزمة المدارس المؤجرة ليست مجرد نزاع قانوني بين الدولة والملاك، بل جرح مفتوح في جسد المنظومة التعليمية نفسها. استمرار الاعتماد على مبانٍ غير مهيأة، ومتهالكة في كثير من الأحيان، ينعكس مباشرة على:
- كثافة الفصول وضيق المساحات،
- ضعف البنية التحتية (دورات مياه، معامل، ساحات)،
- محدودية القدرة على تطوير العملية التعليمية أو تطبيق أنشطة حديثة،
شعور الطلاب وأولياء الأمور بأن التعليم يتم في "أماكن مؤقتة" لا تحظى بأولوية حقيقية لدى الدولة.
بدل أن تستغل وزارة التعليم هذا الملف لتصحيح الأوضاع – عبر خطة واضحة للخروج من المدارس المؤجرة تدريجيًا، وبناء مدارس حكومية حديثة – بدا أن المنطق السائد هو الإبقاء على الأوضاع كما هي، ولو على حساب القضاء والملاك والطلاب معًا.
الحدّة الحقيقية في هذه القضية ليست في لغة العناوين فقط، بل في جوهر الرسالة: وزير التعليم، المعني بتربية أجيال على احترام القانون وحقوق الآخرين، متهم اليوم بأنه لم يحترم لا هذا ولا ذاك؛ لا حق الملاك في أملاكهم، ولا حق القضاء في أن تُنفَّذ أحكامه دون مماطلة أو تعالٍ.
إذا تحولت سابقة من هذا النوع إلى "أمر عادي"، فإن الخطر لا يهدد وزارة بعينها، بل يضرب في صميم الثقة بين المواطن والدولة، ويُكرّس نموذجًا خطيرًا: دولة تطالب الجميع بالالتزام بالقانون، لكنها تحتفظ لنفسها بحق تجاهله حين يتعارض مع راحتها أو مصالحها.
وفي بلد يبحث عن إنقاذ منظومته التعليمية من الانهيار، فإن آخر ما يحتاجه هو وزير يقف في قفص الاتهام بتهمة ازدراء أحكام القضاء بدل أن يقود إصلاحًا حقيقيًا في المدارس، المؤجرة منها والحكومية على السواء.

