يكتب صالح سالم من القاهرة أن الرئيس السوري أحمد الشرع أبدى رغبة واضحة في تعميق العلاقات مع مصر، واصفًا هذه العلاقة بأنها «واجب وليست رفاهية»، وركيزة أساسية لاستقرار المنطقة وأمنها وتعزيز التضامن العربي. وجاء ذلك خلال لقائه في دمشق، في 11 يناير، وفدًا من الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، حيث تعهّد بمنح الشركات المصرية أولوية في مشروعات إعادة الإعمار الواسعة في سوريا.
تشير العربي الجديد إلى أن هذا اللقاء عُقد بعد ساعات فقط من انعقاد المنتدى الاقتصادي السوري المصري في العاصمة السورية، وهو الأول منذ سقوط نظام بشار الأسد، وهدف إلى بحث فرص التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين، في ظل مساعٍ سورية حثيثة لإعادة إعمار ما دمّرته سنوات الحرب.
إعادة الإعمار كبوابة للتقارب
ضمّ الوفد المصري 26 رجل أعمال ومسؤولًا يمثلون قطاعات حيوية تشمل الكهرباء والنفط والغاز والبنية التحتية ومواد البناء والزراعة والنقل والخدمات اللوجستية. وأكد رئيس الاتحاد أحمد الوكيل أن الزيارة لا تقتصر على الاستكشاف، بل تسعى إلى تقييم احتياجات سوريا على الأرض، وبناء شراكات قوية وفعّالة بين القطاعين الخاصين في البلدين.
يأتي هذا الحراك في وقت تسعى فيه دمشق إلى تحريك عجلة الاقتصاد بعد سنوات من الانهيار، مستفيدة من خبرات مصر المتراكمة في مجالات البنية التحتية والطاقة والتنمية خلال العقد الأخير. وأشار الشرع إلى أن التجربة المصرية تمثل نموذجًا يمكن البناء عليه لإعادة تأهيل الموانئ وقطاع النفط وتوليد الكهرباء وغيرها من القطاعات الأساسية.
تحوّل في الخطاب السياسي
يعكس انعقاد المنتدى الاقتصادي تليينًا ملحوظًا في خطاب القاهرة ودمشق تجاه بعضهما البعض. ففي حين أبدت مصر تحفظًا واضحًا إزاء التغييرات السياسية التي شهدتها سوريا في ديسمبر الماضي، خاصة بسبب خلفية الرئيس السوري الجديدة وتوجّهاته، بدأ هذا الموقف يشهد مراجعة تدريجية.
كان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد وصف الحكومة السورية الجديدة سابقًا بأنها «أمر واقع»، لكنه عاد لاحقًا ليؤكد تمنيات بلاده للشعب السوري وحكومته، مذكّرًا بعمق الروابط التاريخية بين البلدين، ومشيرًا إلى مرحلة الوحدة السابقة بين مصر وسوريا. وردّد الشرع المعنى نفسه، مستحضرًا تاريخ العلاقات المشتركة، بل وأشار إلى تأثر والده بالفكر الناصري.
يرى محللون سوريون أن هذا التغيّر في النبرة يكشف رغبة متبادلة في تحسين العلاقات مستقبلًا، مدفوعة بحسابات المصالح أكثر من الاعتبارات الأيديولوجية. ويؤكد المحلل السياسي تيسير النجار أن سوريا لا تستطيع الاستغناء عن الدور المصري في مرحلة إعادة البناء، وأن الدول في النهاية تقدّم مصالحها الاستراتيجية على الخلافات السياسية.
الاقتصاد يتقدّم على السياسة
يثير هذا التقارب سؤالًا محوريًا حول قدرة المصالح الاقتصادية على تجاوز الخلافات السياسية العالقة. ويرى مراقبون أن الكرة باتت في ملعب القاهرة، خاصة بعد دعوة الشرع الصريحة للشركات المصرية للمشاركة في إعادة إعمار بلاده.
تتغذى هذه التوقعات على خطوات عملية، أبرزها توقيع مصر مذكرتي تفاهم في 5 يناير لتوريد الغاز الطبيعي إلى سوريا، بهدف معالجة النقص الحاد في الكهرباء. وتندرج هذه الخطوة ضمن جهود أوسع لإعادة تأهيل البنية التحتية السورية.
رغم ذلك، لا تقتصر طموحات مصر على تصدير الغاز. فحجم التبادل التجاري بين البلدين يبلغ حاليًا نحو مليار دولار فقط، وهو رقم يعكس فجوة كبيرة مقارنة بالإمكانات المتاحة. وتقدّر تقارير البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بما يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، ما يفتح شهية القاهرة للحصول على حصة من هذه السوق الضخمة.
تعتمد مصر في هذا الطموح على سجل طويل لشركاتها في تنفيذ مشروعات كبرى داخل البلاد وخارجها، من العاصمة الإدارية الجديدة إلى مشروعات البنية التحتية في ليبيا ودول أخرى. كما تمتلك مصر طاقة إنتاجية كبيرة في مواد البناء مثل الأسمنت وحديد التسليح، ما يعزز قدرتها التنافسية في سوق إعادة الإعمار.
تؤكد الخبيرة الاقتصادية عالية المهدي أن الشركات المصرية راكمت خبرات تؤهلها للعب دور محوري في إعادة بناء الدول المتضررة من النزاعات، وعلى رأسها سوريا، معتبرة أن هذا السجل يمنح مصر جاذبية خاصة كشريك تنموي موثوق.
https://www.newarab.com/news/can-economic-interests-drive-egypt-syria-reconciliation

