في اليوم الأول لامتحانات نصف العام لطلبة الشهادة الإعدادية، كان يفترض أن يكون المشهد عنوانًا للانضباط والجدية، فإذا به يتحوّل إلى دليل جديد على انهيار منظومة الامتحانات في مصر. صفحات الغش على مواقع التواصل تداولت أسئلة امتحان المواد غير المضافة للمجموع – وعلى رأسها امتحان مادة التربية الدينية في محافظة القليوبية – في نفس يوم الامتحان، رغم كل التهديدات الرسمية وبيانات “الانضباط” و”منع التسريب”.
هذا المشهد ليس استثناءً، بل حلقة ضمن سلسلة من السلبيات التي تضرب امتحانات النقل والشهادات على حد سواء، وتكشف عن دولة لا تستطيع حماية ورقة أسئلة، لكنها تريد إقناع الناس بأنها تبني “جمهورية جديدة” وتعليمًا حديثًا.
تسريب على الهواء.. ووزارة تتفرج
انطلقت امتحانات الفصل الدراسي الأول للشهادة الإعدادية يوم الخميس 15 يناير في المواد غير المضافة للمجموع: التربية الفنية، الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات، والتربية الدينية، على أن تبدأ المواد الأساسية من السبت 17 يناير. منذ الساعات الأولى، بدأت صفحات الغش في نشر صور من أسئلة التربية الدينية في القليوبية، متبوعة بإجابات نموذجية يتم تداولها بين الطلاب على التليفونات المحمولة، في تحدٍّ سافر لأي حديث عن “الرقابة” و”الضبط”.
في المقابل، اكتفت المديريات التعليمية بالتصريحات المعتادة:
- “تشديد على منع الغش”.
- “منع دخول المحمول”.
- “إحالة المخالفين للتحقيق”.
لكن السؤال البسيط الذي يطرحه كل ولي أمر: كيف وصلت ورقة الامتحان من داخل اللجنة إلى صفحات الغش بهذه السرعة؟
هذا يعني واحدًا من أمرين – وكلاهما كارثي:
إما أن هناك تواطؤًا من داخل بعض اللجان؛ مراقب أو مسؤول يلتقط الصور ويهرّبها.
أو أن الإجراءات نفسها شكلية، ولا أحد يطبق منع دخول الهواتف أو التفتيش الجاد للطلاب والملاحظين.
تسريب مادة “غير مضافة للمجموع” ليس شيئًا يمكن تبريره؛ بالعكس، هو جرس إنذار: إذا كان النظام عاجزًا عن حماية امتحان “تربية دينية”، فماذا سيفعل مع اللغة العربية والإنجليزي والرياضيات والعلوم والدراسات؟
غش علني وقتل لروح العدالة بين الطلاب
امتحانات النقل – من ابتدائي حتى ثانوي – تعاني منذ سنوات من نفس الظاهرة:
- مجموعات واتساب وتليجرام تُدار مسبقًا لتبادل الأسئلة.
- صفحات غش تنشر الامتحانات “أونلاين” وتسوّق لنفسها على أنها “خدمة للطلبة”.
- طلبة يدخلون اللجان بهواتف وسماعات، بينما الإدارة التعليمية تتعامل بمنطق: “عدّي اليوم بأي شكل”.
في هذه الفوضى، يتساوى الطالب المجتهد الذي سهر وذاكر مع آخر لم يفتح الكتاب، بل ينتظر “ورقة الامتحان على الموبايل”.
هنا يُسحق مبدأ تكافؤ الفرص، ويترسخ في عقل جيل كامل أن الطريق إلى النجاح ليس الكفاءة والعمل، بل “الوصول للمصدر” أو معرفة من يملك التسريب.
السلبيات لا تقف عند الغش فقط، بل تمتد إلى:
- طلاب في مدارس لا يوجد فيها انضباط ولا رقابة حقيقية.
- إدارات تعليمية تتعامل مع التسريبات كـ”خبر عابر” بدل أن تعلن تحقيقًا علنيًا ومعاقبة واضحة.
- وزارة تعليم بحكومة الانقلاب تُلقي باللوم على “أفراد” أو “تقصير محدود”، وترفض الاعتراف بأن الخلل هيكلي في منظومة الامتحانات من إعداد الأسئلة حتى تأمينها.
النتيجة أخطر بكثير من “درجة زيادة أو نقصان”: نحن أمام جيل يتربى على أن الغش مسموح ما دام لا يُضبط، وأن الدولة نفسها غير جادة في حماية معيار العدالة.
فوضى تنظيمية وضغط نفسي.. امتحان أم عقاب جماعي؟
إلى جانب التسريب والغش، ما زالت امتحانات النقل نفسها تعاني من قائمة طويلة من السلبيات تضرب العملية التعليمية في جذرها:
- ضغط جدول الامتحانات
- تكديس أكثر من مادة في أيام متقاربة، دون مراعاة لطبيعة كل مادة أو وقت المراجعة.
- بدء الامتحانات للمواد غير المضافة للمجموع ثم بعدها مباشرة الأساسية، في حين أن الهدف التربوي من هذه المواد يُختزل عمليًا إلى “وجع دماغ إضافي” للطلاب.
- ظروف لجان سيئة
- فصول مكتظة بالطلاب، جو غير مناسب، مقاعد متهالكة، وتهوية ضعيفة.
- مدارس في قرى ومناطق مهمشة بلا أي تجهيزات تليق بامتحان نصف عام يفترض أنه يقيس مستوى طالب تعب ودفع أهله دم قلبهم في الدروس والمصاريف.
- أخطاء في الطباعة وصياغة الأسئلة
- شكاوى متكررة من أسئلة خارج المنهج أو صياغات غامضة ومربكة.
- تأخر توزيع أوراق الإجابة أو النقص فيها ببعض اللجان، ما يربك الطلاب ويهدر وقتهم.
- غياب واضح للدعم النفسي
- لا أحد يسأل عن الضغط النفسي على طالب إعدادي أو ابتدائي يواجه امتحانات في جو متوتر، بين تسريب وغش وتهديد وعقاب، بينما لا يشعر بأن هناك من يحمي حقه في امتحان عادل نظيف.
كل هذا يجري بينما تخرج التصريحات الرسمية عن “تطوير التعليم” و”التحول الرقمي” و”الامتحانات الإلكترونية”، في الوقت الذي تعجز فيه الوزارة عن منع تصوير ورقة أسئلة أو ضبط هاتف محمول في لجنة.
امتحانات نقل أم نقل للثقة خارج المنظومة؟
ما يحدث في امتحانات النقل ليس مجرد خلل إداري عابر، بل هو نقل منظم لثقة المجتمع خارج المنظومة التعليمية الرسمية:
ولي الأمر لم يعد يثق في أن الامتحان عادل أو أن الدرجات تعكس جهد ابنه.
الطالب لم يعد يرى في المدرسة مكانًا للتعليم، بل “محطة امتحان” تُدار بفوضى، يعتمد فيها على دروس خصوصية وغش جماعي وتسريبات.
المعلم نفسه يشعر أنه محاصر بين تعليمات متناقضة، وضغط إداري، ومنظومة امتحانات لا تحترم علمه ولا تعب الطلاب.
إذا أرادت الدولة حقًا إنقاذ ما تبقى من قيمة الشهادة الإعدادية وامتحانات النقل، فالبداية ليست في مزيد من البيانات والشعارات، بل في:
تحقيق شفاف في وقائع التسريب، وإعلان نتائجه ومحاسبة المتورطين مهما كانت مواقعهم.
إعادة النظر في آليات إعداد وتأمين ونقل أوراق الأسئلة.
وضع قواعد صارمة ومطبقة بالفعل لمنع الهواتف والغش، لا مجرد لافتات على أبواب المدارس.
بدون ذلك، ستظل كل دورة امتحانات – نقل أو شهادات – مناسبة جديدة لكشف عجز منظومة كاملة، ورسالة صامتة للطلاب تقول لهم: لا تراهنوا على العدل في هذا النظام، فالتسريب والغش سبقوكم إلى اللجنة.

