أثار قرار وزير العمل محمد جبران رقم 187 لسنة 2025 بشأن أحكام استقالة العامل عاصفة غضب في الأوساط النقابية والعمالية، بعدما اعتبرته دار الخدمات النقابية والعمالية «عودة من الباب الخلفي لاستمارة 6» التي فتحت لسنوات طويلة باب الفصل التعسفي على مصراعيه.
فالقرار، الصادر في منتصف سبتمبر الماضي مباشرة بعد بدء العمل بقانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، يُنظر إليه بوصفه تراجعًا خطيرًا عن الضمانات القليلة التي انتزعها العمال في القانون الجديد، وتحديدًا المادة 167 المنظمة للاستقالة، والتي صيغت لضمان صدورها عن إرادة حرة لا عن إكراه أو تحايل.
من ضمانات قانون العمل إلى ثغرات «الاتفاق بالتراضي»
دار الخدمات النقابية شددت في بيانها على أن المادة 167 من قانون العمل مكتفية بذاتها ولا تحتاج لقرارات تفسيرية من الوزير، إذ تنظم بوضوح إجراءات الاستقالة، من تقديمها كتابة، وحق العامل في العدول عنها خلال مدة محددة، واشتراط التأكد من خلوها من أي إكراه أو ضغط، بما يمنع تكرار مأساة «الاستقالة المسبقة».
إلا أن قرار وزير العمل أضاف من عنده ما لم يرد في القانون، خصوصًا المادة السادسة التي تنص على عدم سريان أحكام اعتماد الاستقالة على حالات إنهاء عقد العمل «بالتراضي والتوافق» بين الطرفين.
هذه الصيغة، بحسب دار الخدمات، تفتح بابًا واسعًا للتحايل، إذ يمكن لصاحب العمل أن يجبر العامل – واقعًا لا نظريًا – على التوقيع على «اتفاق بالتراضي» عند بداية العمل أو في أي لحظة يريد فيها التخلص منه، لتتحول الورقة عمليًا إلى استمارة 6 جديدة، لكن بمسمى أكثر نعومة.
في سوق عمل يعاني من البطالة وضعف التنظيم النقابي وغياب الضمانات الفعلية، يصبح الحديث عن «التراضي» بين طرف قوي يمتلك المال والنفوذ وطرف ضعيف لا يملك إلا قوة عمله، مجرد ستار قانوني لإخفاء الإكراه الاقتصادي.
تاريخ طويل من «الاستقالة المسبقة».. والقرار يعيد إنتاجها
البيان النقابي ذكّر بأن العمال الخاضعين لقانون العمل عانوا لعقود من ممارسات «استمارة 6»؛ وهي استقالة غير مؤرخة كان العامل يوقّع عليها قبل استلامه العمل، ليستخدمها صاحب العمل في أي وقت للاستغناء عنه وحرمانه من حقوقه في الإنذار أو التعويض أو حتى التأمينات.
نضالات عمالية واسعة، وقضايا أمام المحاكم، وضغط نقابي وإعلامي طويل، كانت ضرورية حتى اعترف المشرّع بخطورة هذه الممارسة في القانون الجديد وحرّم الاعتداد بالاستقالة غير المنضبطة بشروط المادة 167.
لكن ما إن بدأ العمل بالقانون حتى صدر قرار الوزير 187 ليعيد إنتاج نفس الفكرة تحت لافتة «الاتفاق بالتراضي».
المفارقة التي التقطتها دار الخدمات أن أحد مستشاري وزارة العمل نفسه نشر على حسابه في فيسبوك تحذيرًا للعمال من التوقيع على مثل هذه الاتفاقات عند استلام العمل أو عند المطالبة بصرف المستحقات، وهو ما اعتبرته الدار اعترافًا غير مباشر بأن القرار يفتح بابًا واسعًا للظلم.
«صحوة ضمير في الوقت الضائع» كما وصف البيان، لا تعفي الوزير ولا مستشاره من مسؤولية وضع عشرات الآلاف من العمال في مرمى الإقالة التعسفية، وإهدار ما اعتُبر مكسبًا تشريعيًا في قانون العمل.
وزير للعمل أم مندوب لأصحاب الأعمال؟ ومطلب بإلغاء القرار فورًا
على خلفية هذا الجدل، وجّهت دار الخدمات ومؤسسات مجتمع مدني أخرى اتهامات واضحة للوزير محمد جبران بأنه استجاب لضغوط أصحاب الأعمال الذين أبدوا استياءهم من القيود التي وضعها قانون العمل على استخدام الاستقالة كسلاح ضد العمال.
فالقرار لم يُعرض على المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي كما يفترض روح القانون، ولم يأتِ في إطار قرارات تنفيذية منصوص عليها، بل بدا كأنه محاولة «لتعديل» القانون من خلال قرار وزاري يفتقر إلى الشرعية السياسية والاجتماعية.
النقابيون يرون أن مهمة وزير العمل الأولى هي تطبيق القانون وحماية العمال من التعسف والإكراه الاقتصادي، وتحقيق قدر من التوازن بين طرفين غير متكافئين في الأصل؛ أصحاب عمل يمتلكون الثروة والنفوذ من جهة، وعمال لا يملكون سوى قوتهم من جهة أخرى.
لكن ما يقوم به جبران – القادم من اتحاد عمال تسيطر عليه الحكومة – يُنظر إليه كنقيض لهذه المهمة، وكأنه «مندوب أصحاب الأعمال في الوزارة» لا ممثل العمال في الحكومة.
في السياق نفسه، يذكّر نشطاء بأن قانون العمل نفسه يعاني من مثالب عديدة؛ من بطء التقاضي، وتعثر التسويات الودية، وعدم جدوى كثير من العقوبات الجنائية، وبقاء منازعات عمالية معلقة لسنوات.
ومع ذلك، فإن القرار 187 يستهدف بالذات واحدًا من أهم الضمانات القليلة التي تضمنها القانون، وهي حماية العمال من سلاح الاستقالة المسبقة.
لذلك أصبح إلغاء قرار وزير العمل رقم 187 لسنة 2025 مطلبًا مشتركًا للعمال والنقابيين ومؤسسات المجتمع المدني، ولكل من يرفض تحويل أجهزة الدولة إلى أداة في يد أصحاب الأعمال لسحق العمال وتكديس الثروات على أنقاض حيواتهم.
فإما أن تحترم الحكومة روح قانون العمل الجديد وتغلق باب «استمارة 6» إلى الأبد، وإما أن تعترف صراحة بأنها اختارت الانحياز لرأس المال على حساب من يبنون بعَرَقهم كل قيمة حقيقية في هذا البلد.

