أعلن محافظ القاهرة بدء استقبال العروض الفنية والمالية من شركات المقاولات لإنشاء مبنى "شِلتر" ليكون مأوى للكلاب الضالة، بهدف تحصينها وتطعيمها داخل منشأة مخصصة شرق الأوتوستراد، بدعوى "الحرص على أمن وسلامة المواطنين".
ورغم أهمية التعامل مع ظاهرة الكلاب الضالة وخطرها على الصحة العامة، أثار الإعلان تساؤلات حادة حول أولويات الإنفاق في ظل أوضاع معيشية خانقة لملايين المواطنين، خاصة سكان العشوائيات والمناطق غير المخططة الذين ينتظرون حقهم في السكن الآدمي منذ سنوات، بينما تُفتح خزائن الدولة لمشروعات جانبية تتزين بشعار “الرفق بالحيوان” وتُنَفّذ على حساب “الرفق بالإنسان”.
إيجابيات محدودة.. أمن صحي فعلاً أم مشروع تجميلي؟
في الظاهر، يقدم مشروع الشِلتر بعض الإيجابيات لا يمكن إنكارها؛ فظاهرة الكلاب الضالة في أحياء القاهرة الكبرى تحولت إلى مصدر خوف حقيقي لفئات واسعة، خصوصًا الأطفال وكبار السن. وحوادث العقر، وانتشار الأمراض مثل السعار، ومشاهد الكلاب التي تفتش في القمامة، كلها مشكلات تحتاج إلى سياسة واضحة، تقوم على التحصين والتطعيم، لا على القتل العشوائي أو الإهمال.
من هذه الزاوية، إنشاء منشأة منظمة تستقبل الكلاب الضالة، وتُحصّنها طبيًا، وتعيد تنظيم وجودها في الفضاء العام، يمكن اعتباره خطوة حضارية لو جاء ضمن رؤية متكاملة تحترم حياة البشر أولاً وتراعي احتياجات الأحياء الأشد فقرًا. كما أن وجود منظومة واضحة للتعامل مع الكلاب الضالة قد يحد – نظريًا – من الفوضى والعشوائية التي تستغلها بعض شركات المقاولات أو المقاولين الفرعيين للتربح تحت شعار “مكافحة الحيوانات الضالة”.
لكن كل هذه الإيجابيات تبقى هامشية إذا ما قورنت بسؤال مركزي يتجنبه مسؤولو حكومة الانقلاب:
أيهما أولى في بلد يعيش فيه الملايين بلا سكن آمن؟ بناء شِلتر للكلاب.. أم بناء مساكن للفقراء؟
سلبيات فادحة: فقراء يبحثون عن مأوى.. وحكومة تبني مأوى للكلاب
على الطرف الآخر من الصورة، يعيش عشرات الآلاف من الأسر في القاهرة وحدها داخل عشش وصفيح وأسقف صاج وغرف متهالكة فوق أسطح العمارات أو أسفل الكبارى، في أوضاع لا تقل قسوة عن مأوى الحيوانات، بل ربما أشد. هؤلاء لم يسمعوا عن مناقصات علنية لبناء “شلتر للفقراء”، ولا عن إعطاء الأولوية لمشروعات سكنية تحفظ لهم كرامتهم، بينما يسمعون كل يوم عن مليارات تُنفق على عواصم جديدة، وكبارى، وميادين تجميلية، ومبانٍ فارغة لا يستطيعون حتى الاقتراب من أسعارها.
المفارقة الصارخة أن الدولة التي ترفع شعار “حرصًا على أمن وسلامة المواطنين” في ملف الكلاب الضالة، هي نفسها التي لم تُظهر حرصًا مماثلًا على سلامة البشر الذين ماتوا تحت أنقاض بيوت متهالكة، أو في حرائق بسبب ضعف البنية التحتية، أو في موجات البرد لعدم توافر سكن لائق أو دفء أو دعم اجتماعي حقيقي.
كيف تقنع أسرة تعيش في غرفة واحدة ينام فيها خمسة أو ستة أفراد، بلا صرف صحي ملائم، ولا تهوية ولا أمان إنشائي، أن أولويات المحافظة الآن هي بناء مأوى للكلاب، لا توفير شقة بسيطة لهم تحفظ ماء وجههم وتحقق الحد الأدنى من إنسانيتهم؟
السلبيات لا تقف عند حدود “سوء ترتيب الأولويات”، بل تمتد إلى رسالة سياسية خطيرة: الفقراء في دولة الانقلاب خارج حسابات التخطيط الحقيقي، حاضرون فقط في ملفات الإخلاء الجبري من المناطق المستهدفة للاستثمار أو مشروعات الطرق، بينما تستعرض السلطة مشاريع “رفق بالحيوان” كمكياج إنساني لوجه اجتماعي شديد القسوة على مواطنيه.
حق الفقراء في السكن: رفاهية مؤجلة أم التزام على الورق فقط؟
دستور البلاد – الذي تتغنى به السلطة في المناسبات – يتحدث عن الحق في السكن اللائق كأحد الحقوق الأساسية للمواطن. لكن الممارسة الفعلية على الأرض تقول: السكن الآدمي للفقراء مجرد بند “ديكوري” على الورق، بينما الأولوية القصوى تذهب لمشروعات المدن الفاخرة، والأبراج العالية، والمناطق الاستثمارية التي لا يراها الفقراء إلا على شاشات التلفزيون.
بدلًا من أن تُوجَّه ميزانيات المحافظات والحكومة إلى خطة وطنية واسعة لإسكان العشوائيات، وإعادة تأهيل آلاف الأسر التي تعيش في بيوت آيلة للسقوط، واستصلاح مبانٍ قديمة وتحويلها إلى وحدات سكنية اجتماعية، نرى التركيز يتجه إلى مشروعات تجميلية أو جانبية، مثل “شلتر” للكلاب أو ميادين مُعاد تصميمها، أو إنفاق مبالغ ضخمة على حملات دعائية لتلميع صورة المسؤولين.
لا أحد يعترض على تنظيم ملف الكلاب الضالة أو تحسين أوضاع الحيوانات في المدن، لكن الاعتراض الجوهري هو على ترتيب الأولويات في سياق أزمة اقتصادية طاحنة، وغلاء سكني يخنق الطبقات الفقيرة والمتوسطة على حد سواء، وانهيار في القدرة الشرائية يجعل مجرد البحث عن غرفة إيجار مناسبة كابوسًا لملايين الشباب والأسر الجديدة.
في ظل هذه المعادلة، يصبح الحديث عن “شلتر للكلاب” قبل “شلتر للبشر” إهانة صريحة لكرامة الفقراء، ورسالة واضحة مفادها أن السلطة على استعداد للإنصات إلى شكاوى الإزعاج من الكلاب في الشوارع، أكثر من استعدادها للاستماع لصراخ الفقراء في الأحياء المنسية.
دولة تلمّع صورتها بـ"الرفق بالحيوان".. وتدهس الإنسان تحت عجلات الإهمال
المشهد كله يعكس جوهر إدارة حكومة الانقلاب للملف الاجتماعي: اهتمام مفرط بالصورة والديكور، في مقابل تجاهل فجّ للجوهر والمضمون. بناء شِلتر للكلاب يمكن أن يتحول بسهولة إلى عنوان دعائي في الإعلام الرسمي: “القاهرة تراعي حقوق الحيوان”، “مشروع متحضر لحماية المواطنين من الكلاب الضالة”، بينما لا أحد يقترب من الأسئلة الأخطر:
- كم أسرة ستظل بلا مأوى آمن هذا الشتاء؟
- كم طفلًا ينام على أرض إسمنتية بلا غطاء؟
- كم مواطنًا يسكن في بيت مهدد بالانهيار دون أن يلتفت إليه أحد؟
القسوة الحقيقية ليست في إهمال ملف الكلاب، بل في استخدامه كستار يغطي قسوة أكبر تجاه البشر أنفسهم.
فالفقراء في هذه المعادلة يُعاملون كمشكلة أمنية عندما يحتجون، وكعبء مالي عندما يطالبون بحقهم في السكن، بينما تحظى ملفات أخرى – أقل أهمية، وأكثر تسويقًا – بقنوات تمويل واهتمام سياسي وإعلامي واسع.
تقرير كهذا لا يطالب بمنع شِلتر الكلاب، بل يضع سؤالًا مباشرًا أمام حكومة الانقلاب ومحافظ القاهرة:
متى تُعلنون مناقصة لبناء شِلتر للفقراء؟ متى يصبح بناء المأوى للإنسان أولوية لا تُؤجَّل أمام أي مشروع آخر؟
وحتى يأتي هذا اليوم – إن أتى – ستظل مشاريع من نوع “مأوى الكلاب الضالة” شاهدًا على دولة اختارت أن تجمّل عيون الشوارع بينما تغمض عينيها عن عيون الجائعين والمهمَّشين تحت نفس السماء.

