اتسعت رقعة احتجاجات عمال شركة السكر والصناعات التكاملية لتشمل ثمانية مصانع، بعد انضمام مصنع الكيماويات بمجمع سكر الحوامدية إلى الاعتصام اليوم، في تصعيد جديد يعكس عمق الأزمة داخل أحد أقدم وأكبر الكيانات الصناعية في مصر. يأتي ذلك وسط أنباء متداولة بين العمال عن اتجاه الإدارة لصرف الأرباح السنوية بواقع 42 شهرًا خلال أيام، وهو ما رفضه العمال، متمسكين برفعها إلى 60 شهرًا، إلى جانب تنفيذ بقية مطالبهم المتعلقة بالأجور والبدلات والتثبيت الوظيفي، بحسب إفادات ثلاثة عمال تحدثوا لـ المنصة.
الاحتجاجات اندلعت مجددًا أمس السبت داخل مصانع الشركة، وشملت سكر إدفو بأسوان، ودشنا ونجع حمادي وقوص بقنا، والمعدات والتكرير وفينوس بمجمع الحوامدية، إضافة إلى قطاع النقل بالمجمع، قبل أن يلتحق بهم اليوم مصنع الكيماويات. وتأتي هذه التحركات في توقيت بالغ الحساسية، مع اقتراب موسم الإنتاج الذي يبدأ في النصف الثاني من يناير، ما يمنح العمال ورقة ضغط حقيقية في مواجهة إدارة طالما ماطلت في الاستجابة، وفق توصيف العمال أنفسهم.
توسّع الاعتصام وتوقيت حرج قبل بدء موسم الإنتاج
يرى خبراء في شؤون العمل أن توقيت الاحتجاجات ليس عشوائيًا. أحد العمال قال لـ«المنصة»: «دي فرصتنا علشان نرجع حقوقنا الضايعة… ما بقيناش عارفين نأكل ولادنا، مرتب 6 آلاف جنيه بعد 20 سنة في الشركة». هذه الشهادة تلخص حالة الغضب المتراكمة، في ظل تدني الرواتب التي لم يصل عدد كبير من العمال معها إلى الحد الأدنى للأجور البالغ 7 آلاف جنيه.
التوسع السريع للاعتصام إلى ثمانية مصانع يعكس، بحسب خبراء علاقات صناعية، وحدة المطالب وتشارك الإحباط بين مواقع الإنتاج المختلفة. كما أن انضمام مصنع الكيماويات بمجمع الحوامدية اليوم يؤشر إلى أن الأزمة لم تعد محصورة في خطوط إنتاج السكر فقط، بل امتدت إلى القطاعات المساندة داخل المجمع الصناعي.
اللافت أن الإدارة أعلنت، عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، انعقاد الجمعية العمومية للشركة يومي السبت والأحد 17 و18 يناير، ثم عادت مساء أمس وقدّمت الموعد إلى الخميس المقبل. خبراء يقرأون هذا التراجع الزمني بوصفه استجابة اضطرارية لضغط العمال، خاصة بعد شهرين من المماطلة في عقد الجمعية، وهو ما اعتبره عامل ثالث دليلًا مباشرًا على فاعلية الاحتجاجات وخشية الإدارة من امتدادها إلى ذروة الموسم.
الأرباح والرواتب: 42 شهرًا مرفوضة و60 شهرًا مطلبًا أساسيًا
في قلب الأزمة يقف ملف الأرباح السنوية. عامل ثانٍ قال لـ«المنصة» إن أعضاء بالنقابة أبلغوا العمال بوصول منشور عبر الفاكس من صلاح فتحي، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب للشركة، يتضمن صرف الأرباح بواقع 42 شهرًا خلال ثلاثة أيام عقب انعقاد الجمعية العمومية. لكن الرد العمالي كان حاسمًا: رفض فك الاعتصام، والتمسك برفع الأرباح إلى 60 شهرًا، إلى جانب تعديل الرواتب المتدنية.
مطالب العمال، التي سُلّمت رسميًا لمسؤولي مديريات العمل، تتضمن حزمة واضحة ومحددة:
- تطبيق الحد الأدنى للأجور بأثر رجعي
- رفع الحافز الشهري إلى 350%
- زيادة الأرباح السنوية إلى 60 شهرًا
- زيادة بدل الوجبة إلى 1800 جنيه
- رفع البدل النقدي إلى 1500 جنيه
- ضم علاوتي 2017 و2018
- تثبيت العاملين بعقود مؤقتة
- تسوية أوضاع الحاصلين على مؤهلات أعلى أثناء الخدمة
- عودة مساهمة الشركة في علاج أسر العاملين بنسبة 50% من تكلفة الكشف والعلاج دون حد أقصى
خبراء اقتصاديات العمل يؤكدون أن هذه المطالب ليست استثنائية قياسًا بأرباح القطاع وتاريخ الشركة، بل تمثل محاولة لتدارك تآكل الدخول الحقيقية للعمال في ظل التضخم وارتفاع كلفة المعيشة، خاصة في محافظات الصعيد التي تعتمد فيها أسر كاملة على دخل المصنع.
تحركات رسمية محدودة وذاكرة احتجاجات لم تُغلق ملفاتها
عقب تصاعد الاحتجاجات، زار وفد من مديرية العمل بالجيزة مجمع الحوامدية أمس واليوم، وتسلم مذكرة مطالب العمال، وأبلغهم بنيته رفعها إلى وزير التموين. كما زار مسؤولون من مكتب عمل دشنا عمال مصنع دشنا اليوم. غير أن العمال، في الحوامدية ودشنا، لم يلمسوا—بحسب إفاداتهم—مؤشرات عملية على قرب الحل.
خبراء يشيرون إلى أن هذا النمط تكرر من قبل. خلال أغسطس وسبتمبر من العام الماضي، شهدت مصانع الشركة موجة احتجاجات استمرت أكثر من 3 أسابيع، بدأت في إدفو وكوم أمبو بأسوان، ثم امتدت إلى أرمنت بالأقصر ودشنا بقنا، وتبعها مصنع المعدات بمجمع الحوامدية. انتهت تلك الإضرابات تدريجيًا تحت ضغوط إدارية وأمنية، دون معالجة جذرية للملفات، ما يفسر عودة الأزمة بزخم أكبر اليوم.
تأسست شركة السكر والصناعات التكاملية عام 1956، وتتبع الشركة القابضة للصناعات الغذائية، وتمتلك ثمانية مصانع للسكر في صعيد مصر: أبو قرقاص، جرجا، نجع حمادي، دشنا، قوص، أرمنت، إدفو، كوم أمبو، إضافة إلى مجمع الحوامدية الصناعي. هذا الثقل التاريخي والصناعي يجعل أي اضطراب فيها ذا أثر يتجاوز العمال إلى الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد.
وأخيرا يرى خبراء أن استمرار الاحتجاجات مع اقتراب موسم الإنتاج يضع الإدارة أمام اختبار حقيقي: إما الاستجابة لحزمة مطالب واضحة ومدعومة بزخم عمالي واسع، أو المخاطرة بتعطيل الإنتاج في لحظة حساسة. وبين وعود أرباح 42 شهرًا ومطلب 60 شهرًا، تقف معركة أوسع على العدالة الأجرية وكرامة العمل، لم تُغلق فصولها بعد.

