شهدت أسعار الدواجن البيضاء في مصر موجة ارتفاع حادة خلال الأيام الماضية، حيث سجل سعر الكيلو في بورصة الدواجن الرئيسية نحو 76 جنيهًا، قبل أن يصل إلى المستهلك بسعر لا يقل عن 90 جنيهًا، مع مخاوف متزايدة من استمرار الصعود خلال الفترة المقبلة.

 

هذه الزيادة لم تأتِ منفصلة، بل تزامنت مع قفزة كبيرة في أسعار الكتاكيت، التي بلغ سعر الواحد منها نحو 30 جنيهًا، ما أشعل القلق لدى المستهلكين والمربين معًا، خاصة مع اقتراب شهر رمضان المبارك، الذي يشهد عادة زيادة كبيرة في معدلات الاستهلاك. وبينما تتعدد التبريرات، يبقى السؤال مطروحًا حول دور الدولة في ضبط سوق يُعد من أهم مصادر البروتين للمواطنين.

 

تكاليف الإنتاج تلتهم المزارع الصغيرة

 

يرجع مربو الدواجن جانبًا كبيرًا من الارتفاع الحالي إلى زيادة تكاليف الإنتاج خلال فصل الشتاء، لا سيما نفقات التدفئة من غاز وكهرباء، إلى جانب الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد في مدخلات الإنتاج. وتشير تقديرات العاملين بالقطاع إلى أن أكثر من 95% من الأعلاف والأدوية البيطرية يتم استيرادها، ما يجعل الأسعار رهينة لتقلبات الدولار وأزمات الاستيراد.

 

في هذا السياق، قال مصطفى رجب، أحد المربين، إن السوق يشهد ضغوطًا غير مسبوقة، موضحًا أن الزيادة في الأسعار تزامنت مع ارتفاع الإقبال خلال موسم الأعياد، في ظل انخفاض الإنتاج وارتفاع تكاليف التربية بشكل لم يعد يحتمله صغار المربين. وأضاف أن كثيرين اضطروا إلى تقليص عدد الدورات الإنتاجية أو الاكتفاء بدورة واحدة فقط، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي قد يدفع المزيد من المزارع إلى الخروج من السوق.

 

ويرى مربون أن غياب الدعم الحقيقي للأعلاف والطاقة جعل كلفة الإنتاج أعلى من قدرة السوق على التحمل، بينما تُترك الأسعار لتقلبات العرض والطلب دون أي مظلة حماية، سواء للمُنتِج أو للمستهلك.

 

نقص المعروض والأمراض الموسمية يضغطان على السوق

 

إلى جانب التكاليف، أسهم انتشار الفيروسات والأمراض الموسمية في تراجع معدلات الإنتاج خلال الأسابيع الماضية، حيث خرجت مزارع عدة من دورات الإنتاج قبل اكتمالها، ما أدى إلى انخفاض المعروض في الأسواق. وتزامن ذلك مع زيادة الطلب خلال احتفالات عيد الميلاد المجيد، ما ضاعف الضغط على الكميات المتاحة.

 

وأوضح الدكتور ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، أن ارتفاع الأسعار يرجع بالأساس إلى زيادة الطلب مقابل نقص المعروض، مؤكدًا أن الدواجن والبيض سلع حية لا يمكن تخزينها لفترات طويلة. وأشار إلى أن أي خلل في دورة الإنتاج ينعكس فورًا على السوق، وهو ما حدث بالفعل خلال الفترة الماضية.

 

لكن هذا التفسير، رغم واقعيته، لا يبدد مخاوف المستهلكين، الذين يرون أن تكرار السيناريو نفسه قبل كل موسم استهلاك مرتفع يعكس غياب التخطيط المسبق، وترك القطاع عرضة للأزمات المتكررة دون تدخل استباقي من الجهات المعنية.

 

الكتاكيت والسوق السوداء.. حلقة ضغط جديدة

 

الارتفاع الحاد في أسعار الكتاكيت أضاف عبئًا جديدًا على المربين، وأثار جدلًا واسعًا حول دور تجار الكتاكيت في الأزمة. وشدد رجب رشاد إسماعيل، أحد المربين، على أن الكتاكيت ليست السبب المباشر في ارتفاع أسعار الدواجن، محذرًا من الخلط بين المفهومين. وأوضح أن الزيادة في أسعار اللحوم البيضاء جاءت نتيجة خروج بعض المزارع من الإنتاج بسبب الإصابات التي شهدها القطاع خلال العشرين يومًا الماضية.

 

وأشار إسماعيل إلى خطورة استغلال بعض تجار الكتاكيت للأوضاع الحالية ورفع الأسعار دون مبرر اقتصادي حقيقي، محذرًا من الاندفاع نحو الشراء مع كل موجة ارتفاع، معتبرًا ذلك ثقافة خاطئة قد تؤدي إلى خسائر جسيمة حال تراجع الأسعار لاحقًا. وطالب بضرورة التريث في قرارات التسكين وعدم الانسياق وراء ما يُعرف بـ«مواسم الكتاكيت».

 

من جانبه، أكد الدكتور سيد عبد العزيز، رئيس شعبة الدواجن بالغرف التجارية، أن السوق يشهد حاليًا زيادة في الطلب على الكتاكيت استعدادًا للدورات الرمضانية، حيث يرتفع استهلاك الدواجن بنحو 30% خلال شهر رمضان. وأوضح أن عودة عدد كبير من المربين إلى السوق تفرض ضرورة تحديد سعر عادل يراعي تكلفة الإنتاج ويحقق التوازن مع القدرة الشرائية للمستهلك.

 

وشدد عبد العزيز على أن الشركات الكبرى مستمرة في الإنتاج، بينما يعاني المربون الصغار من ارتفاع التكاليف، مطالبًا بتدخل الدولة لدعم القطاع، خاصة عبر خفض أسعار الأعلاف وتقديم دعم حقيقي للطاقة، بدل الاكتفاء بمراقبة السوق من بعيد.

 

وأخيرا تعكس أزمة أسعار الدواجن الحالية خللًا هيكليًا في إدارة قطاع حيوي يمس الأمن الغذائي للمصريين. فبين ارتفاع التكاليف، ونقص المعروض، واستغلال بعض الحلقات الوسيطة، يدفع المستهلك الثمن في النهاية. ومع اقتراب شهر رمضان، تبدو الحاجة ملحّة لتدخل جاد يوازن بين دعم المنتج وحماية المستهلك، بدل ترك السوق رهينة للأزمات الموسمية وسياسات رد الفعل.