نظم مواطنون مصريون وعرب، أمس الجمعة، وقفة رمزية أمام سفارة دولة الإمارات في العاصمة البريطانية لندن، تزامنًا مع مرور أكثر من عام كامل على احتجاز الشاعر والمعارض المصري عبد الرحمن يوسف القرضاوي، في ظل غياب أي معلومات رسمية عن وضعه القانوني أو مكان احتجازه، واستمرار الانقطاع شبه التام للتواصل معه، ما أثار مخاوف حقوقية متصاعدة من تعرضه لانتهاكات جسيمة قد ترقى إلى الإخفاء القسري.

 

الوقفة جاءت كتذكير بأن القضية لم تُطوَ بمرور الوقت، وأن الصمت الرسمي الإماراتي، والتخاذل الدولي، وغياب المساءلة، جميعها عوامل ساهمت في تحويل احتجاز معارض سياسي إلى نموذج صارخ للقمع العابر للحدود، حيث يتم إسكات الأصوات المنتقدة عبر أدوات قانونية وأمنية تتجاوز حدود الدول.

 

من بيروت إلى أبوظبي: تسليم قسري رغم التحذيرات الدولية

 

تعود فصول القضية إلى 28 ديسمبر 2024، عندما أوقفت السلطات اللبنانية عبد الرحمن القرضاوي استنادًا إلى طلب تسليم صادر عن دولة الإمارات، على خلفية مواقف سياسية وآراء عبّر عنها بشكل علني، في سياق ممارسة حقه الطبيعي في حرية الرأي والتعبير.

 

ورغم التحذيرات الواضحة التي أطلقتها منظمات حقوقية دولية، والتي شددت على خطورة تسليمه في ظل سجل الإمارات الحقوقي، وغياب أي ضمانات تحميه من التعذيب أو الاحتجاز التعسفي، أقدم مجلس الوزراء اللبناني في 8 يناير 2025 على اتخاذ قرار عاجل بتسليمه قسرًا، في خطوة وُصفت بأنها انتهاك صريح لمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الدولي لحقوق الإنسان.

 

هذا القرار لم يكن مجرد إجراء إداري، بل مثّل، وفق حقوقيين، تواطؤًا سياسيًا واضحًا، تجاهل التحذيرات الأممية، وضرب عرض الحائط بالالتزامات القانونية للبنان، وفتح الباب أمام تسليم معارض سياسي إلى مصير مجهول.

 

وفي اليوم ذاته، تقدم محامو القرضاوي بطعن أمام مجلس شورى الدولة اللبناني اعتراضًا على مرسوم التسليم. إلا أن هذا المسار القضائي انتهى إلى طريق مسدود في 23 أكتوبر 2025، حين أصدر المجلس قراره رقم 43/2025–2026 برفض الطعن وتثبيت قرار التسليم، ما أغلق فعليًا آخر نافذة قانونية داخلية، وكرّس واقع الإفلات من المساءلة.

 

احتجاز بلا عنوان: زيارتان خاطفتان وظروف ترقى للإخفاء القسري

 

وقبيل تنفيذ التسليم، كان خبراء الإجراءات الخاصة بالأمم المتحدة قد وجهوا، في 6 يناير 2025، نداءً عاجلًا إلى الحكومة اللبنانية، عبّروا فيه عن قلق بالغ من احتمال تعرض القرضاوي لـ التعذيب، وسوء المعاملة، والإخفاء القسري، والاحتجاز التعسفي، فضلًا عن انتهاك ضمانات المحاكمة العادلة، سواء داخل الإمارات أو في حال ترحيله لاحقًا إلى دولة أخرى.

 

لكن هذه التحذيرات لم تلقَ أي استجابة تُذكر. فمنذ وصوله إلى الإمارات، انقطع الاتصال بين القرضاوي وأسرته ومحاميه بشكل شبه كامل. ولم يُسمح سوى بزيارتين عائليتين قصيرتين، الأولى في مارس 2025، والثانية في أغسطس 2025، لم تتجاوز مدة كل زيارة 10 دقائق، وفي مكان غير مُعلن، وتحت رقابة أمنية مشددة.

 

الأخطر من ذلك، أن السلطات لم تقدم أي معلومات رسمية عن مكان احتجازه، أو الأساس القانوني لاستمرار توقيفه، أو ما إذا كان قد عُرض على جهة قضائية من عدمه. ووفق إفادات العائلة، فإن هذه الظروف ترقى بوضوح إلى حالة إخفاء قسري مستمرة.

 

وأكدت الأسرة أن القرضاوي محتجز في ظروف قاسية تشمل الحبس الانفرادي المطوّل، والحرمان من التريض، ومنع التواصل المنتظم مع العالم الخارجي، وتقييد الزيارات إلى حدها الأدنى، ومنعه من الاحتفاظ بمتعلقاته الشخصية وكتبه وصور أطفاله. كما أشارت إلى تدهور ملحوظ في حالته النفسية نتيجة هذا العزل الممنهج.

 

مسؤولية مشتركة وصمت دولي يشرعن القمع العابر للحدود

 

منظمات حقوقية شددت على أن المسؤولية عن هذه الانتهاكات لا تقع على السلطات الإماراتية وحدها، بل تمتد بشكل مباشر إلى السلطات اللبنانية التي مضت في تنفيذ قرار التسليم، رغم علمها بالمخاطر الجدية التي قد يتعرض لها القرضاوي.

 

وحذرت هذه الجهات من أن هذه القضية تشكل سابقة خطيرة، تُهدد سلامة المعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان المقيمين في المنفى، وتفتح الباب أمام استخدام آليات التسليم كأداة لتصفية الخصوم السياسيين خارج الحدود، في ظل تواطؤ أو صمت دولي مريب.

 

كما أثارت منظمات حقوقية تساؤلات جدية حول الدور التركي، خاصة أن عبد الرحمن القرضاوي يحمل الجنسية التركية إلى جانب جنسيته المصرية. وأكدت أن على الدول مسؤولية قانونية وأخلاقية في حماية مواطنيها المحتجزين في الخارج، عبر المطالبة بمعلومات واضحة عن أماكن الاحتجاز، وضمان الزيارات القنصلية المنتظمة، وحماية السلامة الجسدية والنفسية، لا سيما في حالات الحبس الانفرادي المطوّل.

 

الوقفة الاحتجاجية أمام سفارة الإمارات في لندن جاءت لتكسر هذا الصمت، وتؤكد أن قضية عبد الرحمن القرضاوي لا تزال حاضرة في الوجدان الحقوقي والإعلامي، وأن محاولات طمسها بمرور الوقت لن تنجح.

 

فبعد أكثر من عام على الاحتجاز، يبقى السؤال الجوهري بلا إجابة: أين عبد الرحمن القرضاوي؟ وتحت أي سلطة قانونية يُحتجز؟

 

وإلى أن يتم الكشف عن مصيره وضمان حقوقه القانونية والإنسانية، ستظل هذه القضية شاهدًا صارخًا على تصاعد استخدام القمع العابر للحدود، في عالم يزداد فيه الصمت الرسمي، بينما تُنتهك أبسط حقوق الإنسان خلف الجدران المغلقة.