قال قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي إن مصر أغلقت 48 سجناً وأنشأت بدلاً منها 8 مراكز لما سماه “الإصلاح والتأهيل”، لكنه تجاهل الحديث عن نحو 100 ألف معتقل سياسي يعيشون أوضاعاً قاسية داخل تلك المجمعات الجديدة. جاء ذلك خلال حفل إفطار نظمته أكاديمية الشرطة بحضور قيادات وزارة الداخلية وطلاب الأكاديمية وعدد من الوزراء. تحدث السيسي عن حياة “راقية” للنزلاء ورفض وصفهم بالسجناء، بينما تتواصل التقارير الحقوقية عن انتهاكات صحية ومعيشية وقيود مشددة داخل السجون الجديدة.

 

دعاية “الإصلاح” في مواجهة تقارير الانتهاكات

 

قال السيسي إن تطوير وزارة الداخلية شمل إنشاء منظومة جديدة من مراكز الإصلاح والتأهيل “بأعلى المعايير”، مؤكداً أنه هو من أطلق هذه التسمية. وذكر أن الهدف هو منع تحول السجون إلى مدارس للجريمة، عبر برامج لإصلاح “النزلاء” وإعادة دمجهم في المجتمع.

 

وأضاف مخاطباً الرأي العام إن الطلاب يجب أن يروا “كيف نحترم الناس حتى لو كانوا مذنبين”. حديثه جاء في سياق استعراض ما وصفه بتطوير المؤسسات الأمنية خلال السنوات الماضية.

 

لكن هذا الخطاب قوبل بانتقادات حقوقية واسعة. فقد أكدت تقارير حقوقية أن السلطات تتجاهل ملف المعتقلين السياسيين وشكاوى التعذيب والإهمال الطبي والقيود الصارمة داخل السجون الجديدة.

 

الحقوقي المصري حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قال إن الخطاب الرسمي لا يعكس الواقع داخل بعض المجمعات الجديدة. وأوضح أن المبادرة قدمت في 8 يناير 2026 بلاغاً للنائب العام رقم 5640 للتحقيق في الأوضاع القاسية داخل سجن بدر 3 ومحاسبة المسؤولين عنها.

 

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد وصفت في أبريل 2022 أوضاع السجون الجديدة بأنها “مزرية”، مؤكدة أن السلطات استخدمتها في حملات دعائية لتحسين صورتها الحقوقية.

 

السجون الجديدة.. عقاب مضاعف وموجة احتجاجات

 

تشير تقارير منظمات حقوقية إلى أن إدخال أنظمة رقابة إلكترونية وأدوات تكنولوجية لإدارة السجون تحول في بعض الحالات إلى أدوات عقابية إضافية. وأكدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وجود شكاوى من حرمان المحتجزين في مجمع بدر من حقوق أساسية.

 

وفي مارس 2023 طالبت 38 منظمة حقوقية مصرية ودولية بفتح سجن بدر أمام اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات المستقلة للتحقق من تقارير تتحدث عن التنكيل بالمعتقلين ومحاولات انتحار متكررة وإضرابات عن الطعام.

 

وفي يناير 2025 رصد تقرير للمفوضية المصرية للحقوق والحريات 50 حالة وفاة داخل السجون خلال 2024 بسبب الانتهاكات والإهمال الطبي، بينها 8 حالات في سجون بدر.

 

كما انتقدت 14 منظمة حقوقية في 30 أبريل 2025 الأوضاع داخل سجن بدر 3، مشيرة إلى منع التريض وتقييد الزيارات بحواجز زجاجية ومنع الطعام والملابس وتقليص الرعاية الطبية إلى مسكنات فقط.

 

الحقوقي والإعلامي المصري هيثم أبوخليل قال إن الخطاب الرسمي يرسم صورة وردية لا تعكس الواقع. وأضاف أن عدد المعتقلين السياسيين في مصر يقترب من 100 ألف معتقل، بينما يصر النظام على تقديم صورة مغايرة لما يحدث داخل السجون.

 

وأشار إلى أن الإضرابات عن الطعام ومحاولات الانتحار داخل بعض السجون الجديدة تعكس حالة احتقان شديدة بين المعتقلين.

 

حسابات سياسية واقتصادية وراء نقل السجون

 

لا يرى بعض الحقوقيين أن بناء المجمعات الجديدة مرتبط فقط بتطوير منظومة العقاب. المحامي الحقوقي أحمد الإمام قال إن اختيار مواقع السجون الجديدة في مناطق صحراوية بعيدة يعكس أهدافاً أمنية وسياسية إلى جانب الأهداف المعلنة.

 

وأوضح أن السجون القديمة كانت تقع في مناطق حيوية مثل مجمع سجون طرة جنوب القاهرة وسجون القناطر الخيرية شمال العاصمة، وأن بعض هذه الأراضي يجري استغلالها في مشاريع عقارية بعد نقل ملكيتها إلى الخزانة العامة وصندوق مصر السيادي.

 

وأشار إلى أن السلطات أغلقت عدداً من السجون التاريخية مثل سجن استئناف القاهرة في باب الخلق وسجون بنها والزقازيق وشبين الكوم والحضرة والأبعادية، إلى جانب السجون القديمة في المنيا وأسيوط وسوهاج.

 

وتؤكد وزارة الداخلية أن بناء مجمع وادي النطرون الذي افتتح في أكتوبر 2021 جاء من حصيلة بيع أراضي السجون القديمة.

 

كما افتتحت الحكومة مجمعات أخرى مثل بدر في ديسمبر 2021 والمنيا في 2022 وأخميم الجديدة في 2023 والعاشر من رمضان ومدينة 15 مايو في العام نفسه.

 

ويرى الإمام أن نقل السجون بعيداً عن المدن مرتبط أيضاً بمخاوف السلطة من تكرار اقتحام السجون الذي حدث خلال أحداث يناير 2011، إضافة إلى صعوبة وصول أسر المعتقلين إلى تلك المناطق البعيدة.

 

وفي السياق نفسه اعترف السيسي خلال الإفطار بأنه طالب عام 2012 بنقل مقر وزارة الداخلية من وسط القاهرة إلى التجمع الخامس بعد محاولة اقتحام المبنى خلال أحداث محمد محمود.

 

رغم خطاب “الإصلاح والتأهيل” الذي يقدمه النظام، تستمر الدعوات الحقوقية للإفراج عن المعتقلين السياسيين، خصوصاً كبار السن والمرضى الذين يقضون سنوات في الحبس الاحتياطي أو الزنازين الانفرادية.

 

وتتكرر هذه الدعوات في شهر رمضان كل عام، وسط تساؤلات يطرحها نشطاء وحقوقيون حول جدوى استمرار احتجاز آلاف المعتقلين في ظل تدهور أوضاعهم الصحية والاجتماعية داخل السجون الجديدة.