بينما تتجه الأنظار إلى سماء إيران، حيث تقترب ساعة الصفر لضربة عسكرية وشيكة قد تُشعل المنطقة، تقف مصر على هامش البركان، مهددة بانهيار رباعي الأبعاد. الصراع الأميركي-الصيني لم يعد نظريًا، وإيران تحوّلت من ملف نووي إلى ساحة اختبار لنظام عالمي جديد. وسط كل هذا، تجد مصر نفسها مكشوفة الظهر، مرتهنة لخيارات لم تصنعها، وسياسات خارجية حولتها إلى كبش فداء في معركة لا تملك أدواتها ولا قرارها.
هذه ليست أزمة طاقة عابرة، ولا توتر أمني محدود، بل أزمة وجودية شاملة تمس أمن مصر القومي، واقتصادها الهش، وسيادتها السياسية. فبين ضربات الطائرات في سماء طهران، وصواريخ الحوثيين التي تهدد باب المندب، وقناة السويس التي قد تُشل في لحظة، تظهر الحقيقة المرّة: مصر لم تُعد دولة ذات قرار مستقل، بل ملف تابع في غرفة عمليات خارجية.
ما بعد الضربة... انهيار متسلسل يبدأ من الغاز وينتهي في الجنيه
إذا انطلقت الضربة على إيران، فإن أول وأسرع ارتداد سيتلقّاه الاقتصاد المصري، من خلال انقطاع الغاز الإسرائيلي. حقل "ليفياثان" و"Tamar"، اللذان يزودان مصر بأكثر من 50% من احتياجات الكهرباء، سيتوقفان فور تعرضهما لأي تهديد. والنتيجة؟ انقطاعات يومية في الكهرباء لمدد تصل إلى 6 ساعات، تؤدي إلى شلل في المصانع، وتعويضات مالية تتجاوز 1.2 مليار دولار خلال أسبوع واحد فقط.
لكن الأزمة لا تقف عند الطاقة. قناة السويس، شريان العملة الصعبة الرئيسي، ستدخل في حالة شلل إذا ما قرر الحوثيون التصعيد وإغلاق باب المندب، أو إذا انفجر مضيق هرمز. أي تراجع بنسبة 70% في حركة الملاحة يعني خسارة فورية قدرها 3.7 مليار دولار شهريًا — ما يعادل ربع احتياطي النقد الأجنبي في البنك المركزي المصري. باختصار، الاقتصاد سيتنفس من أنبوب الأكسجين التركي والمساعدات الخليجية، إن وُجدت.
وفي ظل هذه الضغوط، يبدأ الانهيار الثاني: أزمة عملة طاحنة. شُح الدولار سيرفع سعر الصرف في السوق السوداء إلى مستويات تتراوح بين 55 و65 جنيهًا للدولار. ومع ارتفاع أسعار النفط عالميًا إلى 115 دولارًا للبرميل، ستقف الحكومة عاجزة عن تمويل الفاتورة، ويشتعل التضخم بنسبة قد تصل إلى 15-20%، دون أي أدوات للسيطرة.
الجبهة المفتوحة... من غزة إلى سيناء إلى ليبيا
مع اتساع رقعة المواجهة، تجد مصر نفسها بين نارين: نزوح جماعي محتمل من غزة، وتصعيد أمني في سيناء، وفوضى متصاعدة في ليبيا. فالهجوم المحتمل على إيران لن يمر دون ردّ من أذرعها في المنطقة، وعلى رأسها الحوثيون، وحزب الله، والفصائل المدعومة في العراق وسوريا.
في سيناء، تتوقع الأجهزة الأمنية تدفقًا هائلًا للاجئين الفلسطينيين، قد يتجاوز 500 ألف شخص، عبر معبر رفح. ومعهم، خطر تسلل مسلحين أو عناصر تخريبية عبر محور فيلادلفيا. هذا إلى جانب إمكانية استهداف الحوثيين لموانئ البحر الأحمر (سفاجا، الغردقة، السويس) مما يُعقّد المشهد الأمني.
أما على الجبهة الغربية، فالفوضى في ليبيا مرشحة للتفاقم. الميليشيات الموالية لإيران، والممولة ضمن ترتيبات غير معلنة، قد تتحرك باتجاه الحدود المصرية، ما يفتح جبهة ثالثة تهدد الأمن القومي من العمق. فهل تمتلك الدولة القدرة على إدارة ثلاث جبهات في آن واحد؟ الجواب المؤلم: لا.
من التبعية إلى الخيانة… من رهن السيادة إلى بيع المستقبل
لم يعد السؤال "ماذا سيحدث؟"، بل: "من وضع مصر في هذا الوضع الكارثي؟". ما يحدث اليوم هو نتيجة عقد من التبعية السياسية الكاملة، حيث تحولت قرارات الدولة إلى أوراق ضغط تُستخدم في تفاهمات إقليمية. تمّ رهن الغاز، وقناة السويس، وحتى حدودنا الشرقية في صفقات لا يعرف عنها الشعب شيئًا.
النظام المصري، الذي تحالف استراتيجيًا مع الاحتلال الإسرائيلي وراهن على الدعم الأميركي الكامل، يجد نفسه الآن مكشوفًا سياسيًا واقتصاديًا، بلا حلفاء حقيقيين. السعودية تتحرك وفق مصالحها الخاصة، وتركيا تراقب المشهد، وإيران تملك أوراقًا حارقة، فيما القاهرة مرهونة لقرارات الخارج، دون خطة ولا استعداد.
أما الشعب، فهو الذي سيدفع الفاتورة: في الكهرباء، والغذاء، والدواء، والاستقرار. فكل أزمة إقليمية تُترجم داخليًا إلى موجة غلاء، قمع أمني، وخطاب إعلامي جوفاء. واليوم، تتجه مصر نحو لحظة مفصلية: إما أن تستعيد قرارها السيادي، أو تسقط كليًا في فخ الاستنزاف الإقليمي.
ختــامًا: مصر ليست طرفًا... لكنها ستدفع الثمن كاملًا، ففي صراع المحاور الكبرى بين واشنطن وبكين، ووسط صعود إيران كلاعب إقليمي عنيد، تتحول مصر من "دولة مركزية" إلى ساحة هامشية قابلة للاشتعال. الأخطر ليس الضربة على إيران، بل الفراغ الاستراتيجي الذي تعيشه مصر في ظل غياب القرار الوطني. فهل ننتظر الضربة كي نفيق؟ أم نراجع جذور الأزمة ونحاسب من أوصلونا إلى هذه النقطة؟

