كشفت تقديرات نقلتها وكالة رويترز أن إيران لا تزال تحتفظ بأكثر من نصف مخزونها الصاروخي رغم مرور عدة أيام على الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدها، في تطور اعتبره مراقبون مفاجأة استراتيجية للطرفين اللذين كانا يعولان على استنزاف سريع للقدرات العسكرية الإيرانية خلال الأيام الأولى من المواجهة.
وتشير هذه التقديرات إلى أن طهران ما زالت قادرة على مواصلة إطلاق الصواريخ لفترة قد تمتد لأسابيع إضافية، وهو ما يهدد بإطالة أمد الصراع وتحويله إلى حرب استنزاف مفتوحة.
كما يقلب هذا الواقع الحسابات العسكرية التي بنيت في واشنطن وتل أبيب على فرضية أن الضربات الجوية المكثفة ستؤدي إلى شلّ القدرة الصاروخية الإيرانية بسرعة.
ويرى خبراء عسكريون أن استمرار إطلاق الصواريخ الإيرانية بوتيرة مرتفعة بعد أيام من العمليات العسكرية يعكس فشل الضربات الأولية في تدمير الجزء الأكبر من الترسانة الصاروخية، ما يشير إلى أن جزءاً مهماً من هذه القدرات ما يزال مخبأً داخل منشآت محصنة أو قواعد سرية تحت الأرض، بعيدة عن مرمى الهجمات الجوية.
الصواريخ.. العمود الفقري لعقيدة الردع الإيرانية
على مدى العقود الماضية، ركزت إيران على تطوير برنامج صاروخي واسع النطاق يشمل صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة هجومية، باعتبارها وسيلة لتعويض التفوق الجوي والتكنولوجي الذي تتمتع به الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويرى خبراء في شؤون الشرق الأوسط أن هذه الترسانة تمثل الركيزة الأساسية لاستراتيجية الردع الإيرانية، حيث تعتمد طهران عليها لفرض تكلفة عسكرية مرتفعة على خصومها في حال اندلاع مواجهة واسعة.
ويؤكد الباحث في مركز مركز كارنيغي للشرق الأوسط، مهند حاج علي، أن أحد العوامل الحاسمة في مسار الحرب يتمثل في قدرة الحرس الثوري الإيراني على مواصلة حملته الصاروخية.
وبحسب تقديراته، فإن كل صاروخ يتم إطلاقه لا يمثل مجرد ضربة عسكرية، بل يحمل رسالة سياسية أيضاً مفادها أن إيران قادرة على مواصلة القتال لفترة طويلة، وأن استراتيجية “الضربة السريعة” التي اعتمدتها واشنطن وتل أبيب لم تحقق الهدف الأساسي منها حتى الآن.
الحرس الثوري.. لاعب رئيسي في إدارة الحرب
لا يقتصر نفوذ الحرس الثوري الإيراني على إدارة العمليات العسكرية فقط، بل يمتد ليشمل إدارة جوانب واسعة من الدولة خلال زمن الحرب.
فوفق تقارير ميدانية، أعادت السلطات الإيرانية تنظيم الاقتصاد بسرعة ليتحول إلى ما يشبه “اقتصاد الحرب”، حيث تم تسريع الإجراءات الجمركية في الموانئ وتسهيل حركة السلع الأساسية والإمدادات الحيوية لضمان استمرار خطوط الإمداد.
وبحسب مصادر تحدثت إلى رويترز، فإن البضائع التي كانت تحتاج إلى أسابيع للتخليص الجمركي أصبحت تمر خلال ساعات فقط، فيما يتم تأجيل الإجراءات الورقية إلى مراحل لاحقة.
ويعكس هذا التحول مستوى الاستعداد داخل مؤسسات الدولة لمواجهة حرب طويلة قد تمتد لأسابيع أو حتى أشهر، كما يعزز الدور المركزي للحرس الثوري في إدارة مفاصل الدولة الاقتصادية واللوجستية إلى جانب قيادته للعمليات العسكرية.
الجبهة الداخلية.. استمرار الحياة رغم الضربات
رغم الضربات الجوية التي استهدفت مواقع داخل إيران، تشير التقارير الواردة من الداخل إلى أن الحياة اليومية ما تزال مستمرة إلى حد كبير في المدن الرئيسية.
ففي طهران، على سبيل المثال، لا تزال المتاجر والبنوك تعمل بصورة شبه طبيعية، كما استمرت الخدمات الأساسية دون انهيار واسع.
ويقول أحد المطلعين إن العاصمة تتعرض للقصف بين الحين والآخر، لكن السكان لم يغادروا المدينة بأعداد كبيرة، كما لم تظهر مؤشرات واضحة على احتجاجات واسعة أو انقسامات داخل النخبة الحاكمة.
ويضيف: “قد تهتز النوافذ بفعل الانفجارات أحياناً، لكن الحياة تستمر”.
ويرى محللون أن الضربات الخارجية قد تؤدي في كثير من الأحيان إلى تعزيز التماسك الداخلي بدلاً من إضعافه، إذ تولد حالة من التضامن الوطني حتى بين فئات كانت تنتقد الحكومة سابقاً.

