د. حمدي شعيب : 

بسم الله الرحمن الرحيم

لماذا ينتحر الإخوان؟

في ظلاله الرائعة حول سورة البروج؛ وتجربة أصحاب الأخدود الذين مثلوا نوعاً راقياً فريداً من النصر؛ وهو الانتصار لفكرتهم رغم ما نالهم من تقتيل وحرق؛ يقول سيد قطب رحمه الله: (وتنتهي رواية الحادث في هذه الآيات القصار, التي تملأ القلب بشحنة من الكراهية لبشاعة الفعلة وفاعليها, كما تستجيش فيه التأمل فيما وراء الحادث ووزنه عند الله وما استحقه من نقمته وغضبه. فهو أمر لم ينته بعد عند هذا الحد, ووراءه في حساب الله ما وراءه.

فقد كان في مكنة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم. ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة?. وكم كانت البشرية كلها تخسر?. كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير؛ معنى زهادة الحياة بلا عقيدة, وبشاعتها بلا حرية, وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد!.

إنه معنى كريم جداً ومعنى كبير جداً؛ هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض. ربحوه وهم يجدون مس النار فتحترق أجسادهم, وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار?. وبعد ذلك لهم عند ربهم حساب, ولأعدائهم الطاغين حساب. إن الذي حدث في الأرض وفي الحياة الدنيا ليس خاتمة الحادث وليس نهاية المطاف. فالبقية آتية هناك. والجزاء الذي يضع الأمر في نصابه, ويفصل فيما كان بين المؤمنين والطاغين آت. وهو مقرر مؤكد, وواقع كما يقول عنه الله). [في ظلال القرآن]

تذكرت هذه الكلمات المؤثرة ونحن نتابع ما يحدث وسيحدث لكل من ثار على الطغاة؛ خاصة في بلاد ثورات الربيع العربي.

أنس ... صدق ما عاهد الله عليه:

ثم تذكرت مسيرة الثائرين الأبرار على مر التاريخ؛ وهم يموتون في سبيل قضيتهم.

وهزني ما صنعه أنس بن النضر وما رواه عنه أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: غاب أنس بن النضر عن قتال بدر، فلما قدم قال: غبت عن أول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين، لئن أشهدني الله عز وجل قتالا ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف الناس، قال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ـ يعني المشركين ـ وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المسلمين ـ ثم مشى بسيفه، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أي سعد، والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد، واها لريح الجنة. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع!. قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، قد مثلوا به. قال: فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه. قال أنس: فكنا نقول لما أنزلت هذه الآية: "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ علَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً". [الأحزاب23]. أنها فيه وفي أصحابه.

البراء بن مالك ... قوات خاصة:

ثم نتذكر فدائية البراء بن مالك رضي الله عنه، وما صنع كما تصنع القوات الخاصة في (معركة اليمامة)؛ لما انتهى أصحاب مسيلمة إلى حائط حفير فتحصنوا به وأغلقوا الباب فقال البراء بن مالك رضي الله عنه ضعوني على برش واحملوني على رؤوس الرماح ثم ألقوني من أعلاها داخل الباب ففعلوا ذلك وألقوه عليهم فوقع وقام وقاتل المشركين وقتل مسيلمة.

الغلام ... وميتة تحرك الجماهير:

وعندما نتأمل كيف كان من ذكاء الغلام في قصة (الغلام والراهب) أنه طلب من الملك إذا أراد قتله بعد أن فشل أكثر من مرة؛ هو أن يجمع الجماهير لتشهد لحظة استشهاده؛ وكانت هي الشرارة التي حركت الإيمان في قلوب الجماهير؛ فآمنوا ثم ثبتوا وحُرِّقوا في محرقة تاريخية خلدتها سورة البروج. [مسلم]

الحسين ... وحيداً:

ومن أصعب الملاحم هي قصة مقتلة الحسين بن علي رضي الله عنهما وكثير من أولاده وأولاد علي بن أبي طالب وأولاد الحسن وأولاد عقيل وأولاد عبد الله بن جعفر رضي الله عنهم أجمعين في كربلاء على يد شمر بن ذي الجوشن؛ وهو الذي اجتز رأس الحسين ومعه شلة خبيثة من رجال عبيد الله بن زياد رجل يزيد بن معاوية رضي الله عنه على البصرة.

والمؤثر أن الحسين رضي الله عنه خرج على الرغم من معارضة مسلم بن عقيل ابن عمه ورسوله إلى الكوفة والذي قتل قبله والذي كتب رسالته الأخيرة للحسين رضي الله عنهما: (ارجع بأهلك ولا يغرنّك أهل الكوفة فإن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لكاذب رأي).

وكذلك رغم معارضة شديدة من كبار الصحابة مثل ابن عمر وابن عباس وابن عمرو رضي الله عنهم ونصحهم له بعدم الخروج.

عمر المختار ... ورسالته الأخيرة:

أما أسد الصحراء عمر المختار فكان أسداً في الميدان وكذلك في حواره مع جلاديه وعلى رأسهم (غراتسياني) عندما أطلق رسالته الأخيرة الخالدة: (نحن لا نستسلم؛ ننتصر أو نموت، هذه ليست النهاية بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه؛ أما أنا فإن عمري أطول من عمر جلادي).

سيد قطب ... موتنا يحيي كلماتنا الشمعية:

وهنا نتذكر مقولة سيد قطب رحمه الله؛ التي طبقها على نفسه: (ستظل كلماتنا أعراساً من الشمع ميتة، لا حراك فيها جامدة؛ فإذا متنا من أجلها؛ انتفضت حية، وعاشت بين الأحياء).

حتى شهد له الشهيد بإذن الله عبد الله عزام: (في العام الذي استشهد فيه سيد قطب طبع كتابه العظيم في ظلال القرآن سبعة طبعات ونصف).

جيفارا ... الموت برهان صدقنا:

وكلنا نعرف كيف مات (جيفارا) في سبيل قضيته، وهنا نورد عنه مقولتين رائعتين تلخصان شعار حياته: (لن يكون لدينا ما نحيا من أجله؛ إن لم نكن على استعداد أن نموت من أجله)، و(مَا يُؤْلِمُ الإِنْسَانُ هُوَ أَنْ يَمُوُتَ عَلَىَ يَدِ مَنْ يُقَاتِلُ مِنْ أَجْلِهِم)

الإخوان... يواصلون مسيرة الانتحار الجماعي:

أوردنا هذه القطوف من سير هؤلاء الأحرار؛ وقد أذهلنا جميعاً وصدمنا ما سمعناه أخيراً في أواخر أكتوبر 2013 من د. أحمد عكاشه، رئيس الجمعية المصرية للطب النفسى، خلال مقابلة أجراها معه الإعلامى عماد الدين أديب، فى برنامجه بهدوء، على فضائية سى بى سى، أن جماعة الإخوان الآن فى حالة انتحار جماعي؛ مشيراً إلى أن الجماعة غسلت عقول أتباعها وسهلت لهم الموت على اعتبار أنهم شهداء.

وبعده كتب الكاتب الليبرالي المتعصب د. وحيد عبد المجيد: (حالة مرضية لا شك تعاني منها قيادة الإخوان‏ التي تأخذ جماعتها الي انتحار جماعي).

فإذا كان الثبات على المبدأ، والموت في سبيل القضية التي نؤمن بها ونعيش لها انتحاراً؛ فمرحباً باللحاق بركب المنتحرين الذين أوردنا سيرهم الخالدة؛ وغيرهم لا نحصيهم مثل عثمان وحمزة رضي الله عنهم.

الذين ثبتوا وعاشوا لقضيتهم وماتوا في سبيلها؛ فذهبوا، ولكنهم بقوا أحياءً بفكرتهم ودعوتهم ليلهبوا حماس من جاء من بعدهم؛ وغدوا منارات تضيء طريق السائرين.

وكانت أعمارهم ـ كما قال المختار ـ أطول من عمر جلاديهم، وصارت سيرتهم أشرف من شانقيهم، وانتصرت دعوتهم على أكاذيب وشبهات وأباطيل معارضيهم.

وصدقوا القاعدة الربانية التي جاءت ضمن أقسى دروس مصيبة أحد؛ وهي أن الأفكار والمبادئ تبقى بينما الأشخاص زائلون:

"وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ". [آل عمران144]

د. حمدي شعيب

زميل الجمعية الكندية لطب الأطفال (CPS)

عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

E-Mail: [email protected]