د. سليمان صالح
استاذ الإعلام بجامعة القاهرة
عندما تواجه الأمة تحديات تهدد وجودها، تشتد حاجتها لقادة جدد يطلقون خيالهم ليعبروا عن حلمها بالحرية، لذلك يجب أن نقرأ بعمق تاريخ علي عزت بيجوفيتش وأدبه، لنطور نظرية جديدة لعلم القيادة.
توضح الدراسة العلمية لأدب بيجوفيتش أن الأديب يمكن أن يقدم رؤية استراتيجية لمستقبل أمته تقوم على العدالة والحرية، وأن خيال الأديب يمكن أن يسهم في قيادة الشعب لمواجهة التحديات، وأن الأدب يمكن يشعل العقل بالذكاء والحكمة والأخلاق والشجاعة والصمود، والقدرة على فهم معاناة الناس، والتعبير عن تطلعاتهم والتواصل معهم.
وبيجوفيتش كان رمزا لنضال سياسي وفكري من أجل الحرية والتحرير، وهو مفكر وفيلسوف وسياسي، لكن من أهم ما يميز شخصيته أنه درس الآداب العالمية، ليكشف للعالم ما يميز الأمة الإسلامية وحضارتها من حكمة ومعرفة، وقدرة على إنقاذ الإنسانية من الظلم والدمار والإبادة.
في سجن فوتشا ذي الجدران العالية والقضبان الفولاذية -الذي لا يقل كآبة وظلمة عن السجون التي أقامها الطواغيت لمنع صوت الأحرار من الوصول إلى شعوبهم- قرر علي عزت بيجوفيتش أن يهرب إلى الحرية بروحه وفكره، وكان الأدب هو وسيلته لرحلة هروب ثقافي اكتشف خلالها أن الحياة لعبة لا يربح فيها أحد إلا أولئك الذين يؤمنون ويعملون صالحا، وتلك الحقيقة ظهرت له واضحة وساطعة من قراءته للقرآن، وأنه يجب أن تتمسك بمثلك العليا مهما بدا لك أنه لا مكان لها في الواقع.
مثل كل السجناء المظلومين الذين يتعرضون لظلم الطغاة وقسوتهم، كان الموت هو الأمل الوحيد للقائد علي عزت بيجوفيتش، والسجين يخفي هذا الأمل في نفسه كسر كبير لا يعرفه أحد غيره، ولا يستطيع السجانون تجريده منه، وظل علي يسأل نفسه في الأيام الأولى بعد أن أصدرت المحكمة حكمها الظالم: هل سأملك الشجاعة لتحمل كل ما ينتظرني من أهوال؟ ومرت أيام كان الموت هو أملي الوحيد، واحتفظت بهذا الأمل كأنه سر أعرفه وحدي، ولا يعرفونه هم، ولا يمكن تجريدي منه، وهذا لا يعني هبوط الرغبة في الحياة، لكن في السجن كان بيجوفيتش يمسك بأمل كبير يتمثل في كونه شيخا كبيرا، وأن الموت ليس بعيدا، وهذه الفكرة جلبت له الراحة واحتفظ بها كسر كبير، لكن بيجوفيتش اكتشف في سجنه: إن المسلم لا يهاب الموت، لكن الموت ليس غايته، فغايته الحياة، والسجن يقدم للإنسان معرفة، لكن تلك المعرفة مؤلمة للغاية.
في سجنه اكتشف بيجوفيتش أن الأديب ملتزم حتى عندما لا يرغب في ذلك، وأدبه إذا كان أصيلا هو شهادة ضد الكذب، ومن هنا لا يستطيع الهرب من هذا الالتزام، ومن دراسته للأدب يرى أن أهمية البطل لا تتمثل في أهميته الاجتماعية، ولكن في القضية الأخلاقية التي يحملها ويدافع عنها، لذلك فإن الملك أو الرئيس في الرواية والمسرحية يمكن أن يكون شخصية غير مهمة، بينما يكون الخادم بطلا، لكن الأمور لا تسير هكذا في الحياة، ذلك أن الأديب يعرفنا على روح البطل، أما في الحياة فإننا نتعرف إلى الناس من الناحية الخارجية.. إننا يمكن أن نعرف إنسانا لسنوات في العمل أو في الجوار، لكن ما نعرفه عنه تلك الأشياء التي لا قيمة أخلاقية لها مثل المهنة والموقع الاجتماعي أو المادي، والأديب يخبرنا عن أشياء غير معروفة عن هذا الإنسان يمكن أن تكون الأكثر جمالا.
لذلك تحتاج الأمم لأدباء يكشفون لها أبطالها الحقيقيين، الذين يتمسكون بمبادئهم وأخلاقهم، ويعبرون عنها، ويضحون من أجلها، فالشعوب لا تعتز وتفخر بالأشخاص الأذكياء، ولكنها تغني للشجاعة التي تعني الدفاع عن المثل العليا والخير والحرية، ويواجهون الخطر ويضحون بأنفسهم، وهذا هو الجمال الحقيقي الذي يستحق أن يصوره الأدباء ويمجدوه.
وهكذا واجه الأديب علي عزت بيجوفيتش سجنه بشجاعة، وخرج منه قويا، ليقود شعبه في كفاحه من أجل الحرية، لذلك يقول: عندما تعايش كل التحديات وتحتملها، وعندما تنهض بعد مئات الكبوات، وتضغط على أسنانك لكي ترى الحقيقة بشكل واضح، تفهم أن المعنى الوحيد للحياة هو في النضال ضد الشر، ومن أجل تحقيق الحرية والعدل، وفي هذا النضال يمكن عمل القليل، لكنه الشيء الوحيد الذي بمقدورنا.
يكشف لنا علي عزت بيجوفيتش الكثير من المعاني الجديدة التي تثير خيالنا، وتدفعنا إلى الاعتزاز بكفاحنا، حتى إن تعرضنا للهزائم والسجن والقهر والنفي والألم، حيث يطرح سؤالا: أليس النضال من أجل الحرية هو الذي يملأ قلوبنا بحب الحرية؟! إن أكثر ما يثير عجب بيجوفيتش وحبه للحرية هو النضال من أجلها.
إننا لا نستحق الحرية إلا عندما نقاتل من أجلها وندافع عنها، ونضالنا من أجلها أجمل ما في حياتنا، والأخلاق لا تنفصل عن الحرية، فوحده السلوك الحر هو السلوك الأخلاقي، وبنفي الحرية وإمكانية الاختيار، فإن الديكتاتورية تتضمن أيضا نفيا للأخلاق.
وهكذا فتح لنا القائد من سجنه آفاقا جديدة من أهمها أن النضال من أجل الحرية، يجعل لحياتنا قيمة حتى إن تعرضنا للهزيمة أمام قوة الطغيان الغاشمة، وفقدنا حريتنا بمعنى القدرة على الحركة والانطلاق في أرض الله الواسعة بأجسامنا، فإننا يمكن أن ننطلق بخيالنا.
يقول لنا علي عزت بيجوفيتش: على خلاف الحيوانات وهبنا الله نحن البشر الخطو المنتصب، لكن الكثير من الناس لا يستثمرون هذا الامتياز، فينحنون ويقرفصون.. كيف يقدرون على ذلك؟!! أليس ذلك رفضًا لهذه الهبة الإلهية الكبيرة: أن نسير باستقامة.
إن السماء المرصعة بالنجوم تذكر الإنسان بكرامته، فكيف يمكن للإنسان أن يفعل الدنايا، وهو يعيش تحت هذه القبة السماوية الضخمة، التي يتطور تحتها التاريخ الإنساني، فانتبه أيها الإنسان، ولا تسير تحتها متصاغرا!
إن الإنسان الذي لا يتطلع إلى السماء ذات النجوم يفقد اتجاهه، ويتجرد من المشهد الرئيس الذي تنحدر منه حكمة العالم، وفي هذه الآفاق السماوية فقط يستطيع الإنسان أن يقدر قيمته.