د. حمدي شعيب:
أيامٌ قليلة وتهل علينا نسائم شهر المحرم وتهيج معها ذكريات الهجرة؛ ونتأمل معها كيف أنجز الحبيب صلى الله عليه وسلم مشروعه الحضاري التغييري العظيم.
وذلك كما وعد وخطط وقرر بعد اعتماده على ربه.
ونتأمل معها حالنا هذه الأيام وكيف تعثر طريق ثورتنا وتعرض لأعاصير من التآمرات وأمواج من الفتن.
فنحلم ونتخيل كيف لو كان الحبيب صلى الله عليه وسلم بيننا؛ وقاد هذه الثورة المباركة؟.
ولنتخيله وهو يتعامل خطوة خطوة مع معوقات ثورتنا، وكيف يقود السفينة حتى تصل إلى غايتها؟.
فلعلنا نستدرك أخطاء تجربتنا مع ثورتنا؛ ونصحح مسيرتنا.
فما هي أهم الرسائل التربوية التي نستلهمها من معايشتنا معه الآن؟:
1-راعي سنة الجهد البشري:
لقد كانت من أبرز القواعد التي راعاها الحبيب صلى الله عليه وسلم ـ وهو المعصوم والمؤيد بالوحي ـ هو التزامه وأخذه بكل الأسباب الأرضية بعد توكله عليه سبحانه؛ كما فعل في كل خطوات رحلة الهجرة.
وهي سنة إلهية اجتماعية، وقاعدة قرآنية وقانون رباني عام ينطبق في كل زمان ومكان؛ وهو إذا أردت تحقيق هدفاً أو بلوغ غاية؛ فإن عليك أن تبذل قصارى جهدك؛ فتأخذ بكل الأسباب الأرضية المشروعة، ثم تدعو ربك ليكلل جهدك بتوفيقه وعونه وتسديده؛ تماماً كما صنع الحبيب صلى الله عليه وسلم في هجرته وفي غزواته خاصة بدر؛ وهو ما يحقق القاعدة القرآنية: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ". [الفاتحة5] و"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ". [العنكبوت69]
ولو شارك الحبيب صلى الله عليه وسلم في ثورتنا؛ لراعى هذه السنة لتحقيق أهداف ثورتنا التي فاجأت كل القوى والأحزاب ـ بلا استثناء ـ؛ مما يدل على أنها جميعاً لم تكن تملك رؤية مستقبلية أو خطة مدروسة لسيناريو ما بعد سقوط نظام المخلوع.
فكانت كل القوى لا تملك إلا سياسات رد الفعل على الأحداث، وما تملكه في جعبتها الحزبية من مشاريع ذات أسماء وشعارات براقة؛ مجرد أحلام على الأوراق ورؤى في الخيال.
ولعلمنا أن نأخذ بالأسباب الأرضية ولنتعامل مع (سنة الجهد البشري)؛ والتي لا تحابي أحد فكان مجرد تفريط في سبب أرضي واحد مصيبة عظيمة في أحد وخلدتها المراجعات القرآنية: "أوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ“. [آل عمران 165]
2-كن مرناً ... فافقه واقعك وصحح مسيرتك:
بعد سلسلة من المحن المتلاحقة؛ أبرزها محنة وفاة خديجة رضي الله عنها؛ والتي كانت بمثابة الملاذ الداخلي، وكذلك موت أبي طالب؛ والذي كان يعتبر الملاذ الخارجي؛ حتى سمي عام الحزن؛ وما تلاه من أحداث أهمها محنة الطائف وعصيان ثقيف؛ فلم تتجمد الحركة الدعوية، ولم يتقوقع الداعية على أحزانه، كما كان متوقعاً لها وله من مناوئي الدعوة.
فجاء التفكير في تجديد أسلوب المسيرة الدعوية؛ فخرج صلى الله عليه وسلم إلى الناس لفتح أبواباً جديدة، تكسر طوق الحصار والتعتيم والتجهيل القرشي الرهيب حول الدعوة والداعية، وذهب إلى القبائل أثناء مواسم الحج، في العام العاشر والحادي عشر من البعثة لعرض الفكرة، وطلباً للنصرة والمنعة.
فعبرت الدعوة إلى مرحلة جديدة، من خلال منعطف هام في تاريخها، وبدأت قفزة تجديدية رائدة في أسلوب الخروج إلى الناس.
فبدأت بشريات الانفراجة السماوية العلوية؛ بحادث الإسراء المعراج، من باب التأييد الإلهي.
وتلتها البشريات الأرضية؛ بحادثتي بيعة العقبة الأولى والثانية؛ بعد تحرك واعٍ، وجهد بشري ذكي.
ولو كان معنا صلى الله عليه وسلم؛ لتعامل بالحكمة ووقف عند بعض اللحظات الفارقة؛ خاصة عندما نتعرض لبعض المعوقات ومارس أدب المراجعات؛ بناءً على فقه للواقع ومعرفة بإمكاناتنا وقدراتنا؛ فقيم نفسه، وقيم أعماله وأقواله، ولراجع ما أنجزناه وفكر في كيفية عبور الفجوة التي تمنعنا من تحقيق أهدافنا، وللتغلب على المعوقات والبحث عن تجديد في الوسائل؟!.
ولكن الملاحظ أن اللاعبين على مسرحنا السياسي؛ يمارسون نفس الأساليب البالية بنفس العقلية ويرتكبون نفس الأخطاء ولا مراجعات ولا تجديد للأفكار والأساليب؛ ثم يطمحون في التغيير!؟.
3-حدد هدفك:
لقد وضع الحبيب صلى الله عليه وسلم هدفاً مرحلياً (تكتيكياً)؛ وهو إقامة المجتمع المسلم في المدينة، على طريق الهدف البعيد (الاستراتيجي)؛ وهو إقامة الدولة المسلمة، والتمكين لدين الله في الأرض.
كان من أهم وأبرز الأهداف المرحلية؛ هو الهجرة إلى المدينة.
وحتى يتحول هذا الهدف إلى واقع أو إنجاز ملموس؛ فقد وضع صلى الله عليه وسلم لهذا الهدف خطة الهجرة؛ والتي تميزت بكل الصفات الإدارية لأي خطة.
ومن المعلوم إدارياً؛ أن الخطة هي قائمة الأنشطة أو الإجراءات التي ستأخذك من حيث أنت إلى حيث ما تريد مستقبلاً.
وهي رسالة تبين أهمية تحديد الهدف، ووضع خطة متدرجة وموقتة بإجراءات واقعية تحقق الهدف.
ولو كان معنا لحدد لنا أهدافنا ووضع لها خطة بإجراءات محددة وممنهجة.
هكذا كان صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي فما بالنا نسير مفعول بنا وكما تحركنا الأحداث لا فاعلين لها؛ وعلى أمل أن نيتنا طيبة وأننا نحمل الخير للناس؟.
وعلى أمل استكمال الرسائل بعون الله.
_____________
خبير تربوي وعلاقات أسرية
[email protected]