د. حمدي شعيب
حادثتان مؤلمتان وموحيتان ومرتبطتان بقضية واحدة!؟.
أولاهما؛ أمس في العيادة جاءني والدان بطفلهما الذي كان يعاني من حساسية شديدة بالصدر؛ فقلت لهما معاتباً: لماذا تأخرتما عليه؟.
قال الأب: بصراحة كنا في اسكندرية في نزهة ودخلنا السينما وتركناه عند جدته وجئنا متأخرين حيث شاهدنا فيلم (...)!؟.
فقلت له مستغرباً: وهل مشاهدة سيرة بلطجي تسمى نزهة؟. وما الفائدة التي خرجتم بها من مشاهدة فيلماً قيل أنه يطفح بمشاهد جنسية وتلميحات غرائزية لا يصح أن تشاهدة أسرة؟.
فضحك وهو يغمز بتلميحات أحرجت زوجته: بيني وبينك هو مثير للغرائز ـ طبعاً قالها بلغة أعف عن سردها ـ وما رأيك يا دكتور أنا قررت بعد مشاهدتي له أن أشترى مطواة؟.
خبر له رسائله المريبة:
وظهر اليوم السبت (3 نوفمبر 2012) هاتفت صديقي الحبيب الشيخ خالد عبد الله متسائلاً عن مغزى سرعة الحكم بوقف برنامجه (مصر الجديدة) على قناة (الناس)، لأنه حاول الدفاع عن الرئيس د. مرسي ضد أكاذيب ضابط متقاعد ومحكوم عليه غيابياً.
فكان حديثاً ذو شجون حول رسائل سرعة هذا الحكم، وما يحدث في ساحة القضاء من أمور مريبة تلوث الثوب الأسود الذي أصابه مثلما أصاب مؤسساتنا في عهود الظلم والفساد والرشوة والمحسوبية، وأبرزه هو الكيل بمكيالين.
الأدبيات عنوان المرحلة:
عندما تأملت هاتين الحادثتين وجدتهما ترتبطتان بقضية اجتماعية وسياسية وفكرية خطيرة وهي أنهما تترجمان مرحلتنا الحالية التي نمر بها.
فكما تقرر القاعدة الثابتة؛ أن الأدبيات تعتبر مرآة للحقبة أو علامة للمرحلة التي تمر بها أي مؤسسة أو أمة.
ولأن سلوك أي فرد أو أمة إنما يكون ترجمة لأفكارها.
فإذا ارتقت الأفكار ارتقي السلوك الفردي والاجتماعي، والعكس بالعكس.
ولهذا فإن سلوكياتنا وأحوالنا الآن سواء حالتنا الفكرية والسياسية والتعليمية والإعلامية والفنية؛ بل والأخطر أن تكون حالتنا القانونية والقضائية أيضاً؛ ترجمة لمرحلتنا.
ويصدقه حالة تردي قوتنا الناعمة غير العسكرية؛ والتي تعتبر إفرازاً لمرحلتنا الحالية خاصة بعد الإنفلات بعد الثورة، وخروج أحسن ما فينا وأسوأ ما فينا!؟.
فهل هي مرحلة البلطجة؛ وثقافة مرحلة البلطجة وأدبيات مرحلة البلطجة؟!.
مظاهر مرحلة البلطجة:
وعندما نتأمل أحوالنا نفاجأ بالآتي:
1- بلطجة إعلامية:
فإن ما نشاهده على فضائياتنا ومن إعلاميينا خاصة في دكاكين (التوك شو)؛ إنما هو مظهر من مظاهر مرحلة البلطجة.
حيث تحولت إلى منابر عبثية لتصفية الحسابات ولنشر الفضائح واللعب على مشاعر العامة.
والخطير أن تكون على هيئة حملات جهنمية ممنهجة ومرتبة ومنظمة من قبل ملاك هذه (الفضاحيات)، وتترس خلف ستار الحرية الإعلامية.
ولقد حللنا جذورها في مقال (فضائيات النضر بن الحارث).
2- بلطجة ثقافية وفكرية:
فنجد أننا نواجه موجات من ثقافة البلطجة والانحلال الأخلاقي في الصحف الصفراء التي لا قانون لها وفي القصص التي تطفح بكل ما هو شاذ؛ بل وأن تتحول إلى وسائل رخيصة للشهرة السريعة.
3- بلطجة ثورية:
وعندما نتأمل أحوال ثوارنا الذي جمعتهم روح الميدان، وقد تحولوا إلى جيوش للتشهير بالمخالفين، وإلى كتائب تمارس نوعاً من الديكتاتورية لفرض رؤاها الخاصة.
وقد فتحت لهم برامج الفضائيات المشبوهة والتي يمتلكها أعهداء ثورتهم، وكذلك شبكات التواصل الاجتماعي؛ ليمارسوا نوعاً غريباً من البلطجة الثورية!؟.
4- بلطجة قانونية:
وهو من أخطر الظواهر التي أصابتنا في مقتل سواء في عهد المخلوع أو بعد ثورتنا؛ وهو تيار تسييس القضاء؛ بل وتحول بعض القضاة خاصة النائب العام إلى مخالب لقطط فاسدة ومرفوضة سياسياً واجتماعياً بل وأخلاقياً للفتك بمعارضيهم!؟.
فضاعت هيبة القضاء في نفوس العامة، وتاهت رمانة ميزان مجتمعنا؛ لدرجة أن البعض وصف ما يحدث في ساحة القضاء بالبلطجة القضائية!؟.
5- بلطجة فنية:
ويمثلها ذلك السيل الساحق الماحق من مسلسلات تخلد نجوم السينما والراقصات، وتطفح بالإيحاءات الجنسية لفظياً وجسدياً، ناهيك عن موجات المسلسلات التركية المئوية، والتي ترسخ لسلوكيات غريبة عن مجتمعاتنا المحافظة.
أما الكارثة فهي تلك الموجة الجارفة لأفلام أبطالها من البلطجية وبأسماء سوقية منحطة لغوياً.
لدرجة أنني استغربت أن ناقداً سينمائياً على قناة (بي بي سي)؛ يستنكر هذه الموجة الإنحلالية والتي ذكر أنها تنتشر في أوقات أزمات وانتكاسات الأمم مثلما حدث في أمريكا في ثلاثينيات القرن الماضي!؟.
المفتي ... ناقداً سينمائياً:
وجاءت صدمتنا عندما فوجئنا بخبر استدعاء مفتي مصر الجليل لمشاهدة وتقييم فيلماً إباحياً؛ فقام بواجبه القدسي وتمخض عن منع أغنية لراقصة تتمايل على أسماء الصحابة رضوان الله عليهم وبنت الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ فجزاه عنا وعن الإسلام خيراً!؟.
وألم يكن من الأفضل أن يتم الاستفسار ولو بسؤال الرقابة السينمائية عن منع الزج بأسماء قدسية شريفة في هذه المستنقعات الفنية.
فماذا بقي لنا من حصوننا التي تتآكل من الداخل؟.
سيدي الإمام؛ إلا الأزهر يا مولاي!؟.
___________
خبير تربوي وعلاقات أسرية
[email protected]