د/ حمدى شعيب
(إذا كانت الحالة الاجتماعية متدنية فأنت حرية وعدالة، وإذا كانت الحالة المعيشية مرتفعة فأنت كتلة)؟!
تعليق صادم صدر عن مذيعة بقناة ساويرس (أون تى في)؛ حول نتائج المرحلة الأولى؛ فعمقت بكلماتها الموجهة بذكاء شيطانى تلك الحملة الشرسة ضد الآخر واختياره خاصة الإسلاميين؟!
رسائل سلبية خطيرة:
وعلى أساس معايير تلك المذيعة، وتصريحاتها السامة المسممة يتلقى شعبنا الطيب جرعات يومية من الرسائل السلبية الموجهة للعقل الباطن؛ والتى تترسخ بتكرارها فى كل دكاكين (التوك شو)؛ فتغير بالتأثير التراكمى قناعات شعوبنا وبالتالى توجه سلوكياتهم؛ ومنها:
1-أن الملتزم سيصبح رجعياً منغلقاً ضحل الثقافة، والمتحرر سيصبح تنويرياً منفتحاً؛ فتصبح معايير النضج الثقافى ليس على الأفكار والاختيار بل على الانتساب للطبقات الراقية؟!
2-انتشار ظاهرة الانتقائية فى وسائل الميديا الليبرالية؛ والتى تجعل كلاً منا؛ يمارس إرهاباً فكرياً على نفسه ومع الآخرين؛ فننتقى ما يعجبنا فقط من أفكار وسلوكيات الآخر، ونرفض ونهاجم ما لا يعجبنا منه.
3-ممارسة عملية رهيبة من غسيل مخ للبسطاء والعامة؛ فيغيرون اختياراتهم وممارساتهم على عكس ما يقتنعون به؛ خوفاً من الاتهام المسبق بالرجعية والتدنى الاجتماعي؟!
4-أن يتراجع أصحاب المشاريع الإسلامية إلى خنادق الفكر الدفاعى ليبعدوا عنهم اتهامات التدنى الاجتماعى وليثبتوا أن مشاريعهم تلقى قبولاً من الطبقات الراقية؟!
جذور الموجة الليبرالية:
كان من فضل الله علينا أن وهبنا أرضية ثقافية نستند عليها كمعايير نوزن بها الأشخاص والأشياء والأحداث؛ فتكسبنا فراسة تقينا تقلبات فتن الأيام والسياسة والأحوال؟!
أما هؤلاء فهم:
1-لا تحركهم إلا مصالحهم الفكرية أو الحزبية؛ فلا يقرون ولا ينقادون إلا ما يروق لهم: "وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ". [النور49]
2-لهم خطاب إعلامى موحد يكشفهم ولو تواروا خلف شعارات براقة: "وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِْ". [محمد30]
3-لا يطيقون من يرفع القيم الدينية: "إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـؤُلاء دِينُهُمْ". [الأنفال49]
4-يشككون فى جدوى المرجعية الإسلامية؛ كحل لمشاكلنا المزمنة: "وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً". [الأحزاب12]
مرحلة الرشد ... والدخول عليهم الأبواب:
والمتأمل فى القوى الفاعلة فى زخم الربيع الثورى العربي، والملاحظ فى نتائج انتخابات واستفتاءات الثورات يجد أنها تفرز الإسلاميين والملتزمين!.
فلعلها حالة من العودة إلى هوية الأمة الأصيلة بعد عقود من الشعارات القومية الجوفاء والاشتراكية العرجاء التى أفرزت دكتاتوريات عسكرية قهرية توارثية!.
وتجربة حزب النهضة فى تونس ثم العدالة والتنمية فى المغرب وما أظهروه من خطابات معتدلة وتوجهات سياسية ناضجة تجمع الأمة على ثوابت يتفق عليها الجميع؛ فإنما هى مؤشرات تدل على انتقال أصحاب المشاريع الإسلامية من مرحلة المراهقة الفكرية إلى مرحلة الرشد.
ابن خلدون ... والإسلام هو الحل:
والغريب أننا نجد أن رائد علم الاجتماع (ابن خلدون) يوضح فى مقدمته أسباب هذا الإفراز الربانى للثورات العربية ويرد على الليبراليين؛ فيؤكد أن العرب لا ينهضون ولا يسودون إلا بهويتهم الدينية: (أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة؛ والسبب فى ذلك أنهم لخلق التوحش الذى فيهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض. فإذا كان فيهم النبى أو الولى الذى يبعثهم على القيام بأمر الله، يذهب عنهم مذمومات الأخلاق، ويأخذهم بمحمودها، ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق، تم اجتماعهم وحصل لهم التغلب والملك، وهم مع ذلك أسرع الناس قبولاً للحق والهدى والسلامة).
ترى هل كان (ابن خلدون) من الشرائح الاجتماعية المتدنية؟!
_______________
[email protected]