م / محمد شكري علوان :
لقد أحدث القرار المُتخذ من مجلس الشورى لجماعة الإخوان المسلمين ، وكذلك الهيئة العليا لحزب الحرية والعدالة بخصوص ترشيح م / خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية رجة عنيفة في أوساط عدة ، وتباينت ردود الفعل ، وتلقي القرار إلي صور متعددة وفقا لحالة المتلقي وظروفه ، فالمخالف المعاند وجدها فرصة للإثارة والرمي بالبهتان والنيل من الجماعة وحزبها ، والمخذلون ممن فارقوا الجماعة وجودها فرصة للتشفي وإظهار العيوب ، والمحبون المشفقون يتسآلون ما المقصد وما الهدف ولماذا ؟!
وبعيدا عن هذا اللغط الدائر نتحدث إلي الأحباب حول الثوابت والمنطلقات وصحة الآليات ، بعيدا عن الأهواء والجدال ، وكل ما يتصل بتحقيق نفع شخصي أو انتصار لذات ، ونوجز الحديث في نقاط ثلاث هي :-
أولاً : الشوري القاعدة الاساسية لاتخاذ القرارات :
** الشورى أساس في طبيعة الإسلام ، وهي حاجة لدى الفرد ، والأسرة ، والجماعة والأمة ، وهي لا تقتصر على ميدان الحكم والدولة ، وإن كان هذا ميداناً من أوسع ميادينها ، ولكنها تمتد امتداد الحياة والممارسة والتطبيق.
**الشورى مدرسة تصقل المواهب، وتنمي الزاد، و في ممارستها الحقيقية قيمة عظيمة لحياة الفرد وحياة الأمة ، إنها قاعدة من قواعد مدرسة الإسلام ، وجامعة القرآن ، وساحة الإيمان . وعلي كل مؤمن أن يعرف حدوده فلا هو يتجاوزها بطغيانه وكبره، ولا هو يقصر عنها بلهوه واسترخائه.
**إن فهمنا للشورى وتصورنا لها ، ينبع من منهاج الله قرآناً وسنة ، ومن فهم الواقع الذي نعيشه فهما صحيحا بالعودة إلى منهاج الله عودة متكاملة متناسقة، لا تتجزأ إلى آيات من هنا وهناك ، أو أجزاء من آية أو حديث ، أو صورة مبتسرة لممارسة وتطبيق ، يعنينا في ذلك سيرة الرسول وممارسة الخلفاء الراشدين والصحابة رضي الله عنهم أجمعين
**إن هدف الشورى هو: تحري الحق والخير والتقوى في الممارسة ، من خلال جهد بشري، ، لهذا تحتاج إلى علم بمنهاج الله ، وعلم بالواقع والقضية ، وخبرة في الممارسة والتطبيق ، إنها جهد بشري يظل قابلاً للنمو والنضج مع مداومة الممارسة واستمرار الجهد وطلب العون من الله تعالي .
**عند ممارسة الشورى فإننا نمارس الإيمان بقواعده المترابطة المتناسقة ، إننا نمارس صدق الأخوة، وخالص النصح، وطيب الكلمة، والابتعاد عن الغرور والكبر والغلو والتفريط ، ونمارس السمع والطاعة ، ونمارس قواعد أخرى يستدعيها الموقف من كظم للغيظ ، ومن سماحة ولين، أو قوة وشدة ، أو رحمة ورأفة ، أو أمر بمعروف ونهي عن منكر...
**أحيانا تمتد ساحة الشورى حتى تشمل الأمة كلها أو معظمها، وتضيق أحيانا حتى تخص أفراداً. ويحدد ذلك عدة أمور أهمها: الواقع المُعاش ، القضية المطروحة ، ظروف الأمة وحالاتها الطارئة ، الطاقة البشرية المتخصصة والمؤسسات المعنية ، التنظيم الإداري , مستويات المسئولية والأمانة.
**الشورى جهد ودراسة ومعاناة ، إنها أمانة , بل إنها من أخطر صور الأمانة ، إنها لا تخرج نتيجة استرخاء وراحة، وإمعة ولا مبالاة . إنها مسئولية في الدنيا والآخرة ، إنها توجب أن لا يخرج الرأي إلا مستكملاً لعناصره الإيمانية، حتى لا تتحول إلى فتنة وفساد، وفرقة وشقاق . ولهذا فإن الآراء في ميدان الشورى ليست آراء ارتجال أو جهل أو ظن أو هوى ، إنها آراء تنطلق من جهد ومعاناة، وبحث ودراسة، وعلم وخبرة يقوم كله على الإيمان ويحوطه منهاج الله .
**إن ممارسة الشورى في أي مرحلة أو عصر أو مستوى ، تحتاج إلى قوة تنفيذية تحقق من خلال ممارستها أهداف الشورى ووسائلها، وأساليبها، ومنطلقها .
**والأمة التي لا يعرف أفرادها حدودهم وحدود غيرهم، والأمة التي لا يتدرب أبناؤها على ممارسة الشورى واحترام نتائجها ، أولى بها أن تضيع مواهبها، وتموت كفاءاتها، وتتمزق قدراتها، في أجواء : الكبر والغرور، التحاسد والتناجش، التباغض والعداء، الظن والافتراء، الكذب والاعتداء، التناحر والتطاحن والفتن التى تهدر الطاقات في حمى الصراع المجنون.
ثانيا : ضوابط لآليات اتخاذ القرار
**عملية صنع القرار السياسي ترتبط بالتفكير العميق والدراسة الواعية للأمور، وحسن التقدير لمآلاتها وعواقبها لأنها تهدف القيام على الأمر بما يصلحه ، وعلى هذا فإن عملية صنع القرار السياسي نوع من التفاعل والمواجهة مع الموقف ، يتسم بلون معين من التفكير القائم على قواعد ضابطة حتى يصدر القرار صائبا لوجه المصلحة المقصودة من اتخاذه .
**عملية اتخاذ القرار هي لون من “الاجتهاد” في الحياة العامة لمواجهة المواقف والوقائع المثارة بقصد اختيار أحد البدائل أو الحلول العملية التي تفضي إلى جلب المصلحة ودفع المفسدة ، غايته تقديم البديل العملي الذي يحقق نفعاً عامًّا أو يدرأ مفسدة عامة .
**الزمن ليس عاملا محايدا أو خاملا ، فكثير من الناس يُسقط عامل الزمن عند تناوله للأمور ، وبالتالي أحيانا يخطئ في نتيجة التحليل أو الرؤيا ، فكم من الحوادث والأحداث يحملها الزمن ، فتتغير القرارات وتستجد الأمور.
**تنازل البعض " سواء كانوا هيئات أو أفراد عن ممارسة حقوقهم في فترة زمنية معينة لا يعني بطبيعة الحال زوال هذا الحق ، أو التقليل من شأنهم عند معاودتهم لممارسته .
ثالثا :- تنزيل ذلك علي قرار شوري الإخوان:
** بناء علي ما سبق فإننا نقرر أن القرار الصادر من شوري الجماعة في الخميس الموافق 11فبراير 2011 بخصوص عدم المشاركة في الحكومة المؤقتة ، وكذلك الترشح لرئاسة الجمهورية ، كان قرارا سليما من حيث الإجراءات ، موفقا بفضل الله تعالي من حيث النتائج وتحقيق المقاصد والغايات ، ولقد حُقق لمصر بفضل الله مصالح عدة ودُفع عنها مفاسد جمة من جراء هذا القرار العظيم ، إذ كان التنحي بعده بيوم واحد فقط 12 فبراير 2011 .
** القرار الصادر يوم السبت الموافق 31مارس 2012 ، صورة مشرفة لجماعة كريمة ، وسابقة يجب أن يُحتذي بها في التريث وتقليب الأمور ، وتقديم المصلحة العامة علي المصلحة الخاصة ، واحترام المؤسسات حتى كان التصويت علي التقدم للترشح كما أعلن 56 صوتا مقابل 52 صوت مما يدل علي الحيوية وصدق تبادل وتناول الآراء ، ثم كان حصول المهندس خيرت علي الأغلبية المطلقة للترشيح ، في صدق ووضوح .
**القرار الثاني ليس جباً ولا تصحيحا للأول ، فكلاهما صواب بإذن الله ولكن النطاق الزماني كل منهما مختلف ، وكذلك ما حل من أحداث . لهذا نؤكد علي ما قاله فضيلة المرشد د. بديع ( لقد كنا صادقين وما زلنا صادقين وسنظل إن شاء الله صادقين ) .
رابعا : إلي أصحاب الحملة الإعلامية الشرسة علي الإخوان نقول :
**هل من المعقول أن يُعاب على الإخوان أنهم يمارسون حقا دستوريا وقانونيا ارتأوا في وقت ما تأجيل ممارسته ، فلما تبين لهم بعد ذلك أن الظروف المستجدة تستدعى العدول عنه قرروا ممارسته؟!
**أليس الأولي تصوب سهام النقد إلى من يريدون استعادة إنتاج النظام البائد في كل الميادين ، لا إلى من يقررون ممارسة حق كفله الدستور والقانون وهو حق الترشح لرئاسة الدولة ؟!
وختاما الي أحبابنا نقول :
عليكم بعد الاعتماد علي الله والتوكل علية بالتوجه إلي الرأي "الرأي العام" فهو أهم عنصر من عناصر التأثير بما يحمل من طاقات تُقاوم تزييف الحقائق ، فلا بد أن يكون لمصر رأياً عاماً ، يتمتع بخصائص الأيمان، حتى تنهار كل جهود المفترين، والمفسدين . وتنهار كل جهودهم أمام حصون الرأي العام المؤمن الذي له عقيدته وإيمانه، وله ميزانه ، وله حدوده وله روابطه وعلاقاته ، كل ذلك على أساس إيماني، رباني، قرآني.
وما أطيبها من كلمات قالها الإمام الشيخ / محمد أبو زهرة " الرأي العام الفاضل هو الضمانة الحقيقية بعد الله تعالي لسلامة المجتمعات ، ففيه يسير الحق مرفوع الرأس ، وينحسر الشر وينخنس " قال تعالي " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " .

