كشفت بيانات البنك المركزي المصري، عن تراجع جديد للجنيه أمام الدولار، بعدما سجلت العملة الأمريكية 53.55 جنيه للشراء و53.68 جنيه للبيع، وسط ضغوط مرتبطة بخروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين المحلية وتصاعد التوترات الإقليمية.
تأتي القفزة الجديدة في سعر الدولار لتكشف هشاشة سياسة سعر الصرف التي قدمتها الحكومة باعتبارها استقرارًا بعد تعويمات متتالية، لأن المواطن يدفع النتيجة مباشرة في أسعار الغذاء والوقود والدواء، بينما تعتمد السلطة على أموال ساخنة تغادر السوق عند أول موجة خوف سياسي أو مالي.
الأموال الساخنة تضغط على الجنيه وتكشف فشل الاستقرار المصطنع
بداية، أوضح مصطفى شفيع، مدير إدارة البحوث المالية في شركة أكيومن لإدارة الأصول، أن الدولار استمد قوته محليًا من تداخل الضغوط العالمية مع التوترات الإقليمية وتحركات المستثمرين الأجانب، وذكر أن السوق شهد تخارجًا يتراوح بين 600 و700 مليون دولار خلال أيام قليلة.
ثم أدى هذا التخارج إلى زيادة الطلب على العملة الأمريكية داخل السوق المصرية، لأن المستثمر الأجنبي الذي يخرج من أدوات الدين المحلية يحتاج إلى تحويل عوائده إلى دولار. هذا المسار يضع الجنيه تحت ضغط مباشر، ويكشف أن الاستقرار السابق اعتمد على تدفقات قابلة للهروب لا على إنتاج دولاري مستدام.
بعد ذلك، تجاوز الدولار حاجز 53 جنيهًا بعد فترة من الاستقرار النسبي، وهو ما يثبت أن السعر لم يكن محصنًا بعوامل اقتصادية قوية. الحكومة تحدثت سابقًا عن مرونة سعر الصرف، لكن المواطن يرى المرونة في صورة ارتفاع جديد للأسعار وتآكل متواصل لقيمة دخله الشهري.
في المقابل، قال الخبير الاقتصادي هاني توفيق إن خروج الأموال الساخنة خلال الأيام القليلة الماضية وضع ضغوطًا كبيرة على الجنيه في ظل سياسة سعر الصرف المرن. هذا التوصيف يحمّل الحكومة مسؤولية نموذج تمويل هش يجعل العملة المحلية رهينة مزاج المستثمر الأجنبي.
لذلك، لا تبدو أزمة الدولار مجرد حركة يومية في شاشة البنوك، بل تبدو نتيجة مباشرة لاقتصاد يعتمد على الاقتراض وأدوات الدين. الدولة التي تفتح باب العائد المرتفع لجذب الدولار السريع تكتشف عند الأزمات أن هذا الدولار يخرج أسرع مما دخل.
النفط والفائدة الأمريكية يضاعفان كلفة أخطاء الداخل
في السياق الخارجي، ربط مصطفى شفيع ارتفاع الدولار بتصاعد التوترات في منطقة الخليج وإيران، لأن المخاطر الأمنية رفعت أسعار النفط وزادت الطلب العالمي على الدولار. ارتفاع النفط يضغط على دولة مستوردة للطاقة مثل مصر، ويزيد تكلفة الواردات في وقت يعاني فيه الجنيه.
بالتوازي، أشار شفيع إلى أن ارتفاع تكلفة الطاقة يغذي التضخم العالمي، ويدعم استمرار البنك المركزي الأمريكي في تثبيت الفائدة أو رفعها، وهو ما يزيد جاذبية أدوات الدين الأمريكية. هذه الحركة تسحب السيولة من أسواق ناشئة مثل مصر، وتضعف قدرة الجنيه على الصمود.
كما أوضح هاني توفيق أن قوة الدولار عالميًا ترتبط بتوقعات أسعار الفائدة عليه، وأن أغلب العملات تراجعت أمامه. غير أن الأزمة المصرية أعمق من تأثير الدولار العالمي، لأن مصر تواجه في الوقت نفسه تراجعًا محتملًا في موارد العملة الصعبة.
إلى جانب ذلك، حذر توفيق من تحديات تضرب السياحة بسبب ارتفاع تكاليف الوقود وتذاكر الطيران وحالة عدم الاستقرار الأمني، كما توقع ضغوطًا على تحويلات المصريين بالخارج، خاصة من دول الخليج التي تواجه بدورها ضغوطًا اقتصادية مرتبطة بالطاقة والتوترات.
وعلى المسار نفسه، أشار توفيق إلى تباطؤ متوقع في إيرادات قناة السويس نتيجة التوترات العسكرية الجارية في المنطقة. هذا العامل يضرب واحدًا من أهم مصادر الدولار، ويضاعف أثر خروج الأموال الساخنة، لأن الدولة تحتاج إلى موارد حقيقية لا إلى ديون مؤقتة.
سيناريو 60 جنيهًا يهدد المواطنين والحكومة بلا خطة معلنة
لاحقًا، طرح مصطفى شفيع سيناريو وصول الدولار إلى مستويات قريبة من 60 جنيهًا إذا استمرت التوترات الإقليمية وتدهورت الأوضاع. هذا السيناريو لا يبدو رقمًا نظريًا للمستثمرين فقط، لأنه يعني قفزة جديدة في تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج.
وفي حالة التهدئة السياسية، توقع شفيع إمكانية عودة الدولار إلى مستويات 46 و47 جنيهًا، لكنه أكد أن هذا التعافي لن يكون فوريًا، وقد يحتاج إلى شهرين أو 3 أشهر حتى تستقر السيولة. هذا التوقع يضع المصريين أمام فترة طويلة من الغلاء والتذبذب.
من جهتها، قالت زينب هاشم، الخبيرة المصرفية ورئيسة قطاع الخزانة بالبنك الأهلي المصري سابقًا، إن التحركات الأخيرة تخضع لمبدأ العرض والطلب، وأكدت أن السبب المباشر للقفزة الحالية هو خروج المستثمرين الأجانب وزيادة الطلب المفاجئ على العملة الصعبة.
ثم توقعت هاشم استمرار تذبذب الدولار صعودًا وهبوطًا خلال الفترة المقبلة، طالما ظل السوق محكومًا بتدفقات السيولة وحجم الطلب المتاح. هذا الرأي يكشف غياب قدرة الحكومة على تثبيت مصادر دولارية مستقرة، ويترك سعر الصرف رهينة التدفقات اليومية.
بناء على ذلك، يتحول الحديث عن سعر الصرف المرن إلى غطاء سياسي لعجز اقتصادي واضح. الحكومة لا تقدم جدولًا زمنيًا لتقليل الاعتماد على أدوات الدين، ولا تكشف خطة لحماية الفئات المتضررة من موجات الدولار، بينما تتسع الفاتورة على الأسر محدودة الدخل.
في النهاية، لا يواجه الجنيه أزمة عابرة بسبب الحرب أو النفط فقط، بل يواجه نتيجة سنوات من إدارة اقتصادية جعلت الدولار سيد السوق. خروج 600 إلى 700 مليون دولار كان كافيًا لدفع العملة إلى مستوى جديد، وهذا الرقم وحده يكشف أن الاستقرار الرسمي كان هشًا، وأن المواطن سيظل يدفع ثمن اقتصاد يعيش على الديون والأموال الساخنة لا على الإنتاج والتصدير.

