د/ إبراهيم أبو محمد*
قرار جماعة الإخوان بطرح اسم المهندس الشاطر لمنصب الرئيس حرك كل العلل وأثار غضب الليبراليين والعلمانيين وغيرهم.
منذ يومين قال السيد عمرو موسى في برنامج مصر الجديدة في سياق حديثه عن جماعة الإخوان المسلمين " كلنا بتوع ربنا " كلام السيد عمرو موسى يسعدنا طبعا، ويسعد كل مسلم أن يكون الجميع "بتوع ربنا" ذلك وصف يستطيع أن يدعيه كل أحد وليس في مقدور أحد أن ينفيه عمن يدعيه.
لكن اللافت للنظر هو الزخم الذى يمارس هذه الأيام في دولة إعلام الفلول وبخاصة في الفضائيات حيث يمتد ليشكل ظاهرة يجب أن تناقش بعيدا عن مؤثرات الهوى السياسي حتى لا نقع أسرى لإشكالية التحيز التي نعانى منها.
في مناقشة الظاهرة لا يجوز أن نكتفى بالعناوين الرئيسة، وإنما لابد من الغوص في عمقها لاستكشاف مكنون الخوف الذى يدفع النخبة لهذه المواقف الحادة ، وهل هو الخوف من الإسلاميين فعلا أم هو الخوف من الإسلام ذاته ؟ أم أنه شيء آخر مخجل لا يريد البعض الإفصاح عنه أو الإشارة إليه حتى لا يتسبب في غضب شعبي .
على كل حال ذلك موضوع آخر نرجو أن يتسع الوقت لدراسته ومحاولة تحليله كظاهرة قديمة تتجدد أسميها "ظاهرة الإسلام بين الكارهين له والخائفين عليه "
الحالة النفسية التي عاشها بعض إخواننا العلمانيين والليبراليين في ظل النظام السابق وسيطرتهم على الإعلام والثقافة ومصادر التوجيه وصياغة الرأي العام خلقت عندهم نوعا من إدمان التحرش السياسي والعدوان الآمن على التيار الإسلامي ، فالعدوان والتجاوز واجتياح هذا التيار ـ دما ومالا وعرضا ـ مأمون العواقب مهما كان حجمه وآثاره، بل كانت ممارسته ضد التيار الإسلامي علامة على التزام الكاتب بثقافة أمن الدولة ودليل على وطنيته وولائه للنظام.
بعض الأخوة من العلمانيين والليبراليين استصحب بعد الثورة نفس هذه الحالة النفسية، ومن ثم كانت الهجمات الشرسة والحادة والتي استعملت فيها كل أسلحة التخويف والتشويش والتشويه مثل الإقصاء والتخلف والحشد والاستقطاب، واستعمال ورقة الدين والدولة الدينية والإمارة الإسلامية، وحملة قندهار والطمع في السلطة وعقد الصفقات. والجشع والاستحواذ والتكويش، وكان اختطاف المجتمع المصري كله هو آخر الأوصاف التي وصفهم بها الصحفي جمال فهمى في برنامج مصر الجديدة!.
التيار الإسلامي تعود أن تصنع دائما حوله حالة من الضباب يكون فيها عادة سوء النية وسوء الظن هو المسلك السائد، ومن ثم فكل تصرف ولو كان طبيعيا لابد أن يخضع للتحليل والتأويل ، حتى ممارسة الحق المشروع تُسْتَكْثرُ على هذا التيار ويرى البغض البغيض أنه يجب العمل على حرمانهم من هذا الحق، ومن هنا رفعت قضايا للطعن ليس فقط في اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور، وإنما في شرعية مجلس الشعب نفسه ، رغم أن الانتخابات الأخيرة قد شهد لها العالم كله بالنزاهة والشفافية ، وكانت هي المرة الأولى في التاريخ الحديث لمصر.
إدمان هذا التحرش ـ إذا اتفقنا على صحة ـ "المصطلح" يستوجب وقفة للتيار العلماني والليبرالي في ممارستهم للديموقراطية.
والمرء يحار في موقف هذه التيارات ، فالترشيح وعدم الترشيح حق مكفول لكل حزب ولكل تيار سياسي وحتى لكل مواطن ما دامت تنطبق عليه الشروط ، وبلغ عدد من سحبوا استمارات الترشيح أكثر من ألف شخص، ولم نسمع مثل هذه الضجة ، ولم يحدث مثل هذا الهياج السياسي والإعلامي لأن هذه هي الديموقراطية، وهذا وجه من وجوهها، وصناديق الانتخاب في النهاية هي الحكم.
وبصرف النظر عن تقييم ـ "(والأصح تقويم )" قرار الجماعة في الدفع بمرشح لهم، إلا أن ضوابط السياسة في الأصل تحكمها المصالح، والإضافة الجديدة التي يجب أن يضيفها التيار الإسلامي بعمومه وأن يحرص عليها ويجعلها بصمة ثابتة له في المجال السياسي هي السقف الأخلاقي الذى يجب التحرك في إطاره ولا يجوز الخروج عليه.
المتغيرات التي تطرأ لابد أن تؤخذ في الاعتبار مع رعاية الضابط الأخلاقي طبعا ، وهذه المتغيرات الطارئة ربما لا تتاح لنا معرفتها كلها مثلما تتاح لمن هو في الموقع، لكن بعضها ظاهر للعيان، فهناك أغلبية جاءت بإرادة شعب حاولت وتحاول قوى مؤثرة نزع صلاحياتها، وهناك وزارة شبه معطلة لم يستطع مجلس الشعب أن يسحب الثقة منها، لأن المجلس العسكري مصر على بقائها، والشارع المصري يئن وينوء كاهله بمشكلات الأمن وطوابير البنزين وطوابير الخبز وأزمات الغاز، وربما هناك ما هو أخفى وأخطر، وما دام الأمر كذلك فتقدير المواقف يختلف من حين لآخر، ولابد للقوى الوطنية بكل شرائحها أن تكف عن ظاهرة تقطيع الرحم الوطني، وممارسة الإقصاء بأبغض تجلياته من قِبَلِ الأقلية في التعامل مع الأغلبية، كما أنه لأول مرة في التاريخ تمارس أقلية الاستبداد تجاه أغلبية جاءت إلى البرلمان بإرادة الشعب.
الانتقاء في ممارسة الديموقراطية وعدم القبول بكل شروطها خلل معيب يحسب بالخصم من حساب الليبراليين والعلمانيين وبقية التيارات الأخرى التي طالما صدعت رؤوسنا بالحديث عن الديموقراطية وحقوق الإنسان، ويبدو أن الجماعة الليبرالية والعلمانية والماركسيين لم يحسموا أمرهم بعد في مدلول الإنسان، وهل ينطبق الوصف على المسلم أم انه خارج التعريف لديهم، ومن ثم فليس من حقه كفرد أو كجماعة أن يمارس هذا الحق المشروع " حقه كإنسان في ممارسة الديموقراطية".
الكل يتبرع بحديث لا معنى له عن حقوق الأقباط، ويدخله أحيانا في السياق رغم أن التناول قد لا يمت له بصلة، والنخب المثقفة من الأقباط يعرفون جيدا أنهم لا يحظون بمساحة من الحرية ولا بحجم من الحقوق في أي نظام مثلما يحظون به كمواطنين في ظل الإسلام، كما أن الإسلاميين بالذات قد عبروا عن ذلك وأقروا بحقوقهم كمواطنين ورفضوا التصنيف أو التمييز على أساس ديني أو طائفي، لكن البعض مصر على تذكيرنا بحقوق الأقباط وكأنها حصة دراسية يجب على الجميع أن يحفظوها.
المرء يحار في تفسير هذه الظاهرة المتكررة، وهل يا ترى مردها لحالة هزيمة نفسية؟ أم أنها وسيلة اصطياد للإسلاميين يجب أن تتكرر في كل حديث لإظهارهم في مظهر من ينكر حقوق الآخرين؟
وإذا كانت صناديق الانتخابات هي الحكم في نهاية الأمر، وهى التي تقرر من سيفوز بمنصب الرئيس فلماذا الخوف من خيرت الشاطر؟
وهل هو خوف من خيرت الشاطر أم هو خوف من وعى شعب هواه إسلامي وهويته إسلامية ويتشبث الإيمان بأعماقه؟ ولذلك دأب إخواننا العلمانيون والليبراليون على شتمه واتهامه دائما بالجهل والأمية؟
يبدو أنه مكتوب على الإخوان أن يظلوا في دائرة الاتهام ويطالبون بالدفاع عن أنفسهم حتى لو جاء بهم الشعب وكانوا هم الأغلبية البرلمانية.
لكن السؤال الذى يتطلب إجابة هو: متى يكف إخواننا العلمانيون والليبراليون عن تقطيع وتمزيق الرحم الوطني بيننا ؟
وهل هم لا يجدون حصاة ملح ليضعوها في عيونهم ؟ وهل تعرف حمرة الخجل طريقها يوما إلى تلك الوجوه..؟
______________
* مفتى أستراليا
[email protected]

