سمير العركي

في مستهل ثورات الربيع العربي كان واضحًا لكل المتابعين والمراقبين أن المنطقة العربية مقبلة على عصر مختلف، وسوف يؤسس لأوضاع على الأرض تختلف اختلافًا جذريًا وكليًا عما ساد على مدار العقود الماضية، خاصة فيما يخص الصراع العربي – الإسرائيلي، وشبكة التحالفات في المنطقة وموازين القوة، إذ إن غياب الأنظمة الحليفة لأمريكا والغرب وعلى رأسها نظام مبارك في مصر كان يعني غياب "الكنز" الاستراتيجي الذي طالما حافظ على أمن الدولة العبرية بكل جد وإخلاص، ولم يألُ جهدًا في ترويض القوى الفلسطينية وإدخالها الحظيرة الأمريكية، والتي استعصت عليه، كحماس، مارس ضدها حصارًا اقتصاديًا مدمرًا عانى منه القطاع لسنوات طويلة.

كما أن النتائج المترتبة على الصعود الإسلامي في أعقاب نجاح الثورات العربية في مصر وتونس ـ ومن المتوقع أن تنضم إليهما ليبيا حال إجراء أول انتخابات حرة ونزيهة ـ أدت إلى استشعار كثير من دوائر صنع القرار الأمريكية والصهيونية الخطر الذي يتهدد الدولة العبرية في المقام الأول، حتى وإن صرحت القوى الإسلامية الصاعدة باحترامها للاتفاقيات الموقعة مع الجانب الصهيوني.

ولعل هذا ما يفسر لنا حالة "البرود" التي انتابت المجتمع الدولي حيال المجازر البشرية التي يقوم بها نظام بشار الطائفي، حتى أن رئيس المحكمة الجنائية الدولية أوكامبو لم يستح من تجاهل الوضع الإنساني المتدهور في سوريا، وانشغل بإصدار مذكرة اعتقال بحق وزير الدفاع السوداني، رغم هدوء الوضع في دارفور وكردفان مقارنة بما يحدث في سوريا. إذ تدرك إسرائيل أن سقوط النظام السوري يعني تعرضها للخطر المباشر، المدفوع منذ أكثر من أربعة عقود، وبالتحديد منذ وصل نظام الأسد البعثي إلى سدة الحكم في دمشق.

لذا كان لابد من محاولة تحجيم الآثار الناجمة عن الثورات العربية، وخاصة فيما يشكل تهديدًا صريحًا للكيان الإسرائيلي، ولعل ما تعرضت له غزة من عدوان يشكل حلقة من حلقات الرسائل الاستفزازية التي أرادت إسرائيل توصيلها للإخوان المسلمين في مصر بدلا من أن تقف موقف المتفرج انتظارًا لما ستسفر عنه الأحداث. وقد أدى العدوان إلى سقوط العديد من الضحايا، وعلى رأسهم الأمين العام للجان المقاومة الشعبية زهير القيسي.

وفى إطار التصعيد ذاته واصلت إسرائيل تشديد حصارها على غزة حتى تعرض القطاع لانقطاع الكهرباء نتيجة نفاد السولار، إلا أن الجديد هنا ما صرح به عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" خليل الحية الذي أكد أن حركته ستكشف لاحقًا أسماء الشخصيات والدول التي شاركت باجتماعات من أجل تشديد الحصار على غزة.

وقال الحية في كلمة له خلال إحدى مسيرات لحماس في غزة بعنوان (جمعة إنارة غزة وكشف المؤامرة): إن "بين أيدينا معلومات لا تحليلات، يا أبناء شعبنا.. يا أمتنا.. يا أهل الربيع العربي.. قيادات أمريكية وازنة وقيادات صهيونية وقيادات سياسية وأمنية من سلطة رام الله، وقيادات عربية مرتبطة بالاحتلال اجتمعوا مرارًا والعنوان "واقع غزة والحصار المشدد عليها". واعتبر الحية أن المؤامرة تتضمن قطع الطرق على المقاومة وتزويدها بالسلاح، حتى لو كان في السودان وأقاصي البحار، كما تتضمن "خنق غزة" من خلال منع الوقود والكهرباء والدواء.

وذكرت وكالات الأنباء أن وسائل إعلام تابعة لحركة حماس، قالت أنها تحصلت على محاضر اجتماعات للقاءات جرت تحت عنوان حصار غزة، من دون أن تكشف كيف حصلت على هذه الوثائق. كما اتهمت حركة فتح وقادتها في غزة بالتورط فيما يجري، وتحدثت عن حصول الحركة على تعميم داخلي يتضمن ما وصفتها بـ"فصول مؤامرة تحريض وبث إشاعات بهدف قلقلة الأوضاع، وتتضمن تعليمات بخروج مسيرات تبدو عفوية يتلوها عصيان مدني لإسقاط حكم حماس".

هذه الأوضاع المأساوية التي يشهدها القطاع لا يمكن فصلها عن مجمل الأحداث التي تموج بها دول الربيع العربي، والتي تندرج جميعها تحت لافتة واحدة "ضرورة إفشال المشروع الإسلامي"، وهو المشروع الذي انبثق عن الربيع العربي، ومازال يحلم بفرصة كاملة من أجل تطبيق مشروعه النهضوي والتنموي.

ويمكننا رصد ملامح مشروع الإفشال في المظاهر التالية :

1- شيوع حالة من الفوضى والانفلات نتيجة انخفاض أداء قوات الشرطة على خلفية الصدامات العنيفة التي تعرضت لها أثناء أحداث الثورات، كما لا يمكننا أن نتغافل عن إغراق بلاد الثورات العربية بكميات من الأسلحة المهربة والتي شكلت أزمة مجتمعية كبيرة، إذ أدت إلى انتشار حالات السطو المسلح والقتل...إلخ.

2- التدخل المتعمد في دول الربيع العربي عن طريق ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني، والتي تتخذ كستار لتمرير حالات التجسس والتحريض كما حدث في مصر، مما أدى إلى توقيف العديد من الأمريكان وأصحاب الجنسيات الأخرى قبل أن يفرج عنهم بطريقة مريبة مازال المجتمع المصري يعاني من آثارها حتى الآن.

3- تعمد العديد من القوى الليبرالية واليسارية إفشال المسار الديمقراطي وإيقاف عجلة الاستقرار أملًا في إفشال المشروع الإسلامي وإسقاط الإسلاميين، وقد ظهر ذلك جليًا في تونس التي أشاد بها الجميع عندما استطاعت تشكيل توليفة حاكمة تجمع رئيس الوزراء الإسلامي ورئيس الدولة اليساري (المنصف المرزوقى)، إلا أن الأحداث التالية أثبتت أنها كانت خطوة غير صائبة، إذ عمل التنوع المذكور على تعطيل المسيرة بدلًا من دفعها إلى الأمام، وهو الأمر الحادث في مصر أيضًا، إذ تعمد القوى العلمانية إلى إثارة القلاقل تجاه أي خطوة تتخذها الأكثرية النيابية الإسلامية، خاصة فيما يتعلق بموضوع الدستور وتشكيل الجمعية التأسيسية، والتي مازالت معركتها مشتعلة إلى وقت كتابة هذه السطور.

4- منع المساعدات المالية عن هذه الدول، وقد ظهر ذلك جليًا في الحالة المصرية التي تعاني أوضاعًا اقتصادية صعبة للغاية، في ظل تراجع الدول العربية عن تقديم ما وعدت به من مساعدات اقتصادية في أعقاب نجاح ثورات الربيع العربي العام الماضي، وتعمد الدول الأوروبية الامتناع عن استيراد المنتجات الزراعية المصرية.. إضافة إلى الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تضرب المجتمع المصري، وخاصة نقص الوقود والغاز، والمقصود النهائي من هذا الحصار غير المعلن هو تركيع الثورات، ومنعها من التمدد خارجها، وشغل هذه الشعوب بمشاكلها الداخلية، دون إعطائها الفرصة للتفاعل البناء والمناسب مع تحديات وهموم أمتها.

5- العمل على زيادة حدة الاستقطابات، وخاصة بين التيارين الإسلامي والعلماني، وما يترتب عليه من زيادة حدة التوتر في المجتمع، خاصة مع الانحياز الإعلامي السافر للتيار العلماني، مما يسهم بدوره في تصدير أزمات غير ذات جدوى للمجتمع الذي يبحث في مجمله عن الطعام والأمن. ولعل المعارك التي أشعلتها القوى العلمانية بمساندة الميديا المنحازة في مصر عقب الثورة وحتى الآن تعطينا مؤشرًا على أثر تلك الاستقطابات في صرف قوى المجتمع الفعالة عن معاركها الفعلية إلى معارك وهمية، من عينة "الدستور أولًا، والرئيس أولًا".

هذه المظاهر المشار إليها آنفًا توضح حجم التحديات التي تواجهها ثورات الربيع العربي من أجل حصارها وكبح جماحها والحيلولة دون تحولها إلى مثال للاحتذاء، لذا لا يمكننا فهم معاودة تشديد الحصار على غزة دون ربطها بما يحدث في دول الربيع العربي من محاولات الحصار والترويض.