08/02/2010
د. عصام العريان
لماذا نكتب عن إيران ونتابع باهتمام تطور الأمور فيها ؟
لأن إيران بلد حضارى عريق له تاريخ ممتد قبل الإسلام وبعد الإسلام، ويكفى أن إيران القديمة احتلت مصر ودخلت فى حروب مع اليونانين على أرض الشام.
ولأن إيران الحديثة أصبحت نموذجاً للإسلام الشيعى وتطبق نظرية جددت الفقه الشيعى التقليدى هى"ولاية الفقيه" وحاولت تصدير ثورتها إلى البلاد الإسلامية وعندما فشلت اكتفت بالتأثير عن بعد أو قرب.
ولأن إيران لها طموح إقليمى جامح وملأت فراغاً تسبب فيه غياب الإرادة العربية والدول الإسلامية الأخرى وأصبح نفوذها فى العراق هو الأقوى وفى أفغانستان كبير ولها نفوذ واضح فى لبنان واليمن وفلسطين، بل امتد إلى أفريقيا السوداء.
ولأن إيران أصبحت ملفاً دولياً بسبب "طموحها النووى" وتدير علاقتها الدولية بكفاءة شهد بها المراقبون، وصمدت خلال 30 سنة فى معارك كبيرة كان أخطرها 8 سنوات فى حرب الخليج الأولى ثم معركة 8 سنوات أخرى فى إعادة البناء بعد التدمير الذى لحقها بسبب الحرب ثم معركة بناء القدرة العلمية النوية خلال حكم خاتمىبحيث تطلق افمارا الى الفضاء ةتصنع صولريخ بالستية ولها قدرات عسكرية وتقنية عالية.
اليوم ومع الذكرى الـ 31 للثورة الإيرانية التى مثلت مع أحداث أخرى أهم الأحداث فى العقود الماضية وهذه الاحداث :
(1) الغزو السوفيتى لأفغانستان وما ترتب عليه من آثار كان أهمها وأخطرها نهاية الامبراطورية السوفيتية وانهيار المعسكر الشرقى كله ونشأة ما يسمى بالإرهاب .
(2) الثورة الإيرانية وبداية الانقسام فى العالم الإسلامى .
(3) انهيار سور برلين ووحدة ألمانيا ثم أوربا وبروز قطب دولى جديد ما زال فى طور التطور والصعود .
اليوم إيران على مفترق طرق تواجه تحدييات خطيرة على كافة الأصعدة .
اهمها وأخطرها التحدى الداخلى الذى نشأ عقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية وفوز "احمدى نجاد" واتهامات التزوير تلاحقه وحملة قمع خطيرة نشأت ضد المعارضين وتدخلات أوروبية وأمريكية لاستغلال الأحداث لدعم المعارضة وتصعيد المظاهرات وإثارة القلاقل ضد النظام بغية إحداث انقلاب من الداخل بعد أن فشلت فى اختراقات سابقة، أو هدمه فى حروب استنزاف، أو اغتيال قادته فى بداية الثورة.
واليوم وفى خضم الاحتفالات يخرج قطبا المعارضة بموقفين متباينين.
كروبى؛ رجل الدين ورئيس البرلمان السابق يعترف بشرعية الأمر الواقع داعياً إلى وحدة الصف خلف النظام مطالباً فى الوقت نفسه بوقف الملاحقات والإعدامات والاعتراف بالأخطاء تمهيداً لتصحيحها. أما موسوى؛ رئيس الوزراء السابق والمهندس القدير فقد أعلن بشجاعة يحسده عليها الكثيرون أن الثورة الإسلامية فشلت فى إنهاء الممارسات القمعية والديكتاتورية التى ورثتها عن نظام الشاه وأن ذلك أخطر بكثير لأنه يلبس ثوباً دينياً يضفى عليه مشروعية أخلاقية ودينية ،ويظل متمسكاً بمواقفه الثابتة دون أن ينقلب على ثوابت الجمهورية بل يدعو إلى إصلاحها من داخل النظام مراهناً على استمرار الدعم والتأييد الشعبى له والإعلام الخارجى الذى يسلط الضوء على بياناته وتصريحاته ..
التحدى الثانى والخطير هو التهديد الخارجى والاستعدادت الجارية على قدم وساق لشن حرب على إيران يشعل نارها العدو الصهيونى الذى يصدق عليه وصف القرآن العظيم { كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفاها الله ويسعون فى الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين}
ولقد مارست إيران مناورات ولعبت على التناقضات بين امريكا وأوربا من جهة وبين روسيا والصين من جهة أخرى لتأجيل العقوبات المقررة عليها أو شل قدرة أمريكا على إعلان حرب عليها.
واليوم ومع ذكرى الثورة يعلن أحمدى نجاد أن إيران وافقت على صفقة تبادل اليورانيوم المخصب وتطالبه أمريكا بمخاطبة الوكالة الدولية للطاقة النووية وقد تزامن الإعلان مع تطورات خطيرة مهدت الأجواء لحالة حرب وشيكة ؛
- الفشل فى إقرار العقوبات بسبب فيتو صينى رغم الموافقة الروسية مما جعل الخيار الوحيد هو الحرب.
- مناورات صهيونية على الحدود الشمالية لإبقاء الجبهة الشمالية مع سوريا وحزب الله جاهزة لحرب وقائية ، وإعلان سعد الحريرى أن أى عدوان على الجنوب اللبنانى هو حرب على الدولة اللبنانية كلها وليس على حزب الله .
- السعى الدؤوب للتهدئة مع الفلسطييين سواء "عباس" بالدعوة إلى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة لانقاذ تاء وجهه وغالباً سيعود إلى المائدة وينزل من فوق الشجرة ، والضغوط المستمرة على "حماس" للتوقيع على المصالحة لفك الحصار عن غزة وفتح المعابر وإنهاء صفقة الأسرى فى حزمة تهدأ الخواطر العربية والفلسطينية تمهيداً لتسخين الجبهة الإيرانية.
- التدخل التركى فى الملف الإيرانى للضغط على إيران دبلوماسياً واقتصادياً للقبول بصفقة تبادل اليورانيوم، وها هو وزير الخارجية (متكى) يعلن من أنقرة واستانبول أن الحرب غير قادمة بينما يعلن "نجاد" قبول الصفقة لتبادل الوقود التووى من طهران.
- التركيز على ملف "القاعدة" و "طالبان" لمواجهة عنيفة مع الأولى وحوار واحتواء مع الثانية لشل قدرة إيران على استنزاف أمريكا والناتو على الأرض الأفغانية بينما تتوالى الهجمات الصاروخية على "وزيرستان" و "سوات" فى باكستان ويتم التمهيد لشن غارات فى اليمن.
وتتدخل السعودية لاحتواء المعتدلين فى طالبان ووصل "كرازاى" إلى الأرض السعودية يطلب بإلحاح التدخل من خادم الحرمين الشريفين لدى قيادة طالبان لقبول العرض الأوروبى والدولى.
التحدى الذى يجمع ذلك كله هو الحفاظ على مقدرات الدولة الإيرانية وتحسين العلاقات مع دول الجوار والتواضع فى الطموحات الإقليمية والبعد عن النزعات المذهبية وتجديد الخطاب الإيرانى والاجتهاد لتطوير نظرية الحكم فى إيران بمراجعة "ولاية الفقيه" واستيعاب المعارضة الوطنية والولوج إلى تعددية حزبية تسمح بتداول سلمى للسلطة بين أجنحة الثورة الإسلامية والبعد عن سياسة الإقصاء والإبعاد والمطاردات واتهامات الخيانة والنفاق.
إيران اليوم تريد منع الحرب والإبقاء على قدراتها النووية السلمية والاحتفاظ بقدرتها العلمية لمستقبل يحمل أخطار كبيرة واستثمار أفضل لورطة أمريكا فى العراق وأفغانستان وتهدئة شكوك العرب فى الخليج ومصر بل بناء علاقات طبيعية مع مصر والسعودية وتقديم التنازلات فى هذا الصدد بدلا من عقد صفقة مع امريكا على حساب العرب.
هل تقدر النخبة الإيرانية على إدارة كل تلك الملفات المعقدة ؟ التحدى خطير وكبير وسوف نرى الإجابة فى الأسابيع المقبلة وليس الشهور القادمة ؟
=======
عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين - والمعتقل فجر الإثنين 08/02/2010

