تتصاعد التحذيرات الصحية الدولية من انتشار فيروس إيبولا في عدد من الدول الإفريقية، وسط مخاوف من اتساع نطاق التفشي وانتقال العدوى إلى مناطق خارج القارة، مع تسجيل أكثر من 10 آلاف إصابة وآلاف الوفيات في جمهورية الكونغو الديمقراطية، واستمرار ظهور حالات جديدة في دول أخرى، ما دفع السلطات الصحية إلى تعزيز إجراءات المراقبة والوقاية وتشديد التدابير على الحدود والمطارات.

 

وحذر مسؤولون صحيون أفارقة من أن خطر وصول الفيروس لا يقتصر على الدول التي تشهد تفشيًا حاليًا، مؤكدين أن جميع الدول معرضة لاحتمالات انتقال العدوى، في ظل حركة السفر الدولية وصعوبة احتواء الفيروس حال تأخر اكتشاف الحالات المصابة أو التعامل معها.

 

وتزامنت هذه التحذيرات مع اتخاذ عدد من الدول إجراءات احترازية جديدة، من بينها الولايات المتحدة التي فرضت متطلبات إضافية على المسافرين القادمين عبر الرحلات الدولية، بهدف الحد من احتمالات انتقال العدوى، خصوصًا من المناطق التي تشهد انتشارًا للفيروس.

 

تحذيرات من اتساع نطاق إيبولا


يُعد التفشي الحالي لفيروس إيبولا من أسرع موجات الانتشار المسجلة في إفريقيا، في ظل تزايد الإصابات واستمرار تسجيل الوفيات، إلى جانب ظهور حالات في دول لم تشهد انتشارًا واسعًا للمرض خلال السنوات الماضية.

 

وسجلت نيجيريا أول إصابة بالفيروس منذ أكثر من عقد خلال الشهر الماضي، بالتزامن مع تقارير عن ظهور حالات في كينيا ودول إفريقية أخرى، الأمر الذي أثار مخاوف من انتقال التفشي إلى مناطق جديدة، خصوصًا مع استمرار حركة التنقل بين الدول الإفريقية.

 

وحذر المدير العام للمراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، جان كاسيا، من أن جميع الدول معرضة لخطر وصول المرض، ما لم تتخذ إجراءات وقائية واستعدادات صحية مناسبة، مشددًا على أهمية عدم التقليل من احتمالات انتقال الفيروس إلى الدول التي لم تسجل إصابات حتى الآن.

 

واستشهد كاسيا بتجربة جائحة كورونا، عندما استبعدت دول عديدة في بداية انتشار الفيروس إمكانية وصوله إلى أراضيها، قبل أن تتحول لاحقًا إلى بؤر لتسجيل الإصابات، في ظل عدم الاستعداد الكافي للتعامل مع التفشي.

 

وتعكس هذه التحذيرات مخاوف المؤسسات الصحية من تكرار سيناريو انتشار الأوبئة عبر الحدود، خصوصًا أن احتواء الأمراض المعدية لا يعتمد فقط على الإجراءات داخل الدول المتضررة، وإنما يتطلب أيضًا تنسيقًا دوليًا وتبادلًا للمعلومات وتعزيز قدرات اكتشاف الحالات مبكرًا.

 

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت، في مايو الماضي، حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا، عقب تأكيد ظهور حالات في جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي سجلت العدد الأكبر من الإصابات والوفيات المرتبطة بالتفشي الحالي.

 

الكونغو الديمقراطية تتصدر الإصابات والوفيات


تتركز النسبة الأكبر من الإصابات والوفيات في جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي سجلت أكثر من 10 آلاف و200 إصابة ونحو 5 آلاف وفاة، وفق الأرقام الواردة في البيانات المتعلقة بالتفشي، ما يجعلها مركز الأزمة الصحية الحالية.

 

وترتبط الإصابات بمتحور «بونديبوغيو» من فيروس إيبولا، وهو أحد المتحورات الأقل شيوعًا، ويثير مخاوف صحية بسبب ارتفاع معدل الوفيات المرتبط به، إلى جانب عدم توافر لقاح معتمد أو علاج محدد له حتى الآن.

 

ويزيد غياب اللقاح والعلاج المحدد من صعوبة التعامل مع التفشي، إذ تعتمد جهود الاستجابة الصحية بدرجة كبيرة على اكتشاف المصابين وعزلهم، وتقديم الرعاية الطبية اللازمة، ومراقبة الأشخاص الذين خالطوهم، إلى جانب تطبيق إجراءات مكافحة العدوى داخل المنشآت الصحية والمجتمعات المتضررة.

 

ولا يقتصر خطر الفيروس على المصابين الذين تظهر عليهم الأعراض، إذ يمثل التعامل المباشر مع سوائل أجسام المصابين أو الأدوات الملوثة بها أحد أبرز طرق انتقال العدوى، وهو ما يجعل الالتزام بإجراءات الحماية الشخصية والتعامل الآمن مع الحالات المشتبه فيها أمرًا ضروريًا للحد من انتشار المرض.

 

وينتقل إيبولا بين البشر من خلال ملامسة دم المصابين أو سوائل أجسامهم، إضافة إلى ملامسة الأسطح والأدوات التي تلوثت بهذه السوائل، وهو ما يفرض تحديات إضافية أمام الفرق الطبية والعاملين في قطاع الرعاية الصحية، خصوصًا في المناطق التي تعاني ضعف الإمكانات الطبية.

 

وفي المقابل، أعلنت أوغندا تسجيل 20 إصابة وحالتي وفاة خلال مايو ويونيو الماضيين، قبل إعلان خلوها من الحالات النشطة، في تطور يعكس إمكانية احتواء التفشي من خلال الإجراءات الصحية والمراقبة المستمرة، رغم استمرار المخاطر في الدول المجاورة.

 

إجراءات إفريقية لتشديد الرقابة الحدودية


ومع اتساع المخاوف من انتقال العدوى، يستعد وزراء الصحة الأفارقة لعقد اجتماعات تستهدف تعزيز التعاون وتنسيق الإجراءات الصحية بين الدول، خصوصًا فيما يتعلق بمراقبة حركة المسافرين عبر الحدود والمطارات ونقاط العبور الدولية.

 

وتشمل الإجراءات المطروحة تكثيف الفحوص والاختبارات الصحية للمسافرين القادمين من المناطق المتضررة أو المغادرين إليها، إلى جانب تعزيز أنظمة رصد الحالات المشتبه فيها، وتطوير آليات تبادل المعلومات بين السلطات الصحية في الدول المختلفة.

 

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في ظل انتقال الأشخاص بصورة مستمرة بين الدول، إذ يمكن أن يسهم تأخر اكتشاف الإصابة في زيادة احتمالات انتقال العدوى، خصوصًا عندما لا تكون السلطات الصحية على علم بتاريخ سفر الشخص أو الأماكن التي زارها خلال الفترة السابقة لظهور الأعراض.

 

كما تمثل جاهزية المستشفيات ومراكز العزل وتوفير معدات الوقاية للعاملين الصحيين أحد العناصر الأساسية في مواجهة التفشي، لتجنب انتقال العدوى داخل المنشآت الطبية، التي قد تتحول إلى نقاط لانتشار المرض حال عدم تطبيق إجراءات مكافحة العدوى بصورة صارمة.

 

ولم تقتصر الإصابات المرتبطة بالتفشي على القارة الإفريقية، إذ امتدت الحالات إلى دول أوروبية، مع تسجيل إصابة مؤكدة في فرنسا لطبيب عاد من جمهورية الكونغو الديمقراطية في يونيو الماضي، قبل تعافيه ومغادرته الرعاية الطبية مطلع يوليو.

 

كما سُجلت إصابة لمواطن أمريكي تلقى العلاج في مستشفى بالعاصمة الألمانية برلين، وهو ما عزز المخاوف المتعلقة بانتقال الفيروس عبر حركة السفر الدولية، وأعاد تسليط الضوء على ضرورة استعداد الدول للتعامل مع الحالات الوافدة من المناطق التي تشهد انتشارًا للمرض.

 

الولايات المتحدة تفرض قيودًا على المسافرين


وفي الولايات المتحدة، لا تزال تقديرات السلطات الصحية تشير إلى انخفاض احتمالات وصول الفيروس وانتشاره داخل البلاد، إلا أن هذا التقييم لم يمنع اتخاذ إجراءات احترازية جديدة تستهدف تقليل مخاطر انتقال العدوى عبر الرحلات الدولية.

 

واعتبارًا من 3 نوفمبر، أصبح يتعين على المسافرين المتجهين إلى الولايات المتحدة عبر الرحلات الدولية تقديم إقرار ورقي أو إلكتروني يؤكد عدم وجودهم في جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال الأيام الـ21 السابقة للسفر.

 

وتستند هذه المدة إلى فترة حضانة الفيروس، التي يمكن أن تمتد إلى 21 يومًا قبل ظهور الأعراض، ما يعني أن الشخص قد يكون تعرض للعدوى خلال سفره إلى المناطق المتضررة دون أن تظهر عليه علامات الإصابة فورًا.

 

ويشمل الإجراء المواطنين الأمريكيين وحاملي الإقامة الدائمة وأفراد أطقم الطائرات، حتى في الحالات التي لم يسبق لهم فيها زيارة جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو ما يوسع نطاق تطبيق المتطلبات الجديدة على المسافرين القادمين إلى البلاد.

 

وأثارت الإجراءات اعتراضات من مجموعات تمثل شركات طيران أمريكية ودولية، طالبت بمنحها مزيدًا من الوقت للاستعداد للتطبيق، في ظل ما تفرضه المتطلبات الجديدة من ترتيبات إدارية وإجراءات إضافية تتعلق ببيانات المسافرين قبل صعودهم إلى الطائرات.

 

ويؤكد متخصصون في الأمراض المعدية ضرورة التعامل بجدية مع التفشي الحالي، وعدم الاكتفاء بالإجراءات التي تتخذها الدول التي سجلت إصابات، في ظل احتمالات انتقال الفيروس عبر الحدود الدولية، والحاجة إلى استعدادات صحية تتناسب مع طبيعة المرض وسرعة التعامل مع الحالات المشتبه فيها.