مرت 10 أعوام على انطلاق أولى موجات التعويم الشامل للجنيه المصري، وسط تآكل حاد في المدخرات وتدهور معيشي غير مسبوق، نتيجة سياسات مالية تركزت على إدارة سعر الصرف قسراً وتأجيل الاستحقاقات الاقتصادية الحتمية، ما جعل العملة المحلية تدفع ثمن اختلالات متراكمة يديرها نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي.
يمثل التعويم الجاري مجرد مقياس حراري يسجل حجم النزيف في ميزان المدفوعات دون أن يكون هو الفاعل الحقيقي للأزمة، إذ أدى تثبيت سعر الصرف بالإكراه إلى مراكمة تشوهات هيكلية بالغة، قبل أن تنفجر أسعار العملات الأجنبية في الأسواق بصورة عنيفة عند كل محطة تصحيح إجبارية تواجهها البلاد.
وهم التثبيت وفجوة شهادات الإيداع
وبالرجوع إلى حركة شهادات الإيداع الدولية المقيدة في بورصة لندن ومقارنتها بالأسعار الرسمية، تبرز فترتان خضع فيهما الجنيه لحصار حكومي مشدد حال دون حركته الطبيعية، وهو ما منح الأسواق استقراراً صورياً زائفاً سرعان ما انهار تحت وطأة الواقع الذي فرض تعديلات سعرية قاسية على حركة التجارة والمدخرات.
وفي تفاصيل تلك الفجوات، شهدت الفترة الممتدة بين سبتمبر 2015 ومارس 2016 قفزة مدوية في السعر الحقيقي للدولار من 7.80 جنيهات إلى 17.80 جنيهاً، مسجلة نسبة صعود بلغت 128%، ما أفرز صدمة تضخمية واسعة عكست حجم الاحتقان المالي الناجم عن تعطيل آليات السوق ومحاولة فرض تسعير غير واقعي.
وعلى نحو أكثر حدة، تكرر السيناريو ذاته خلال الفترة من فبراير 2022 حتى أبريل 2024 بارتفاع سعر الصرف من 15.75 جنيهاً إلى 47.00 جنيهاً، محققاً قفزة قياسية بنسبة 198%، وهو ما أثبت عقم سياسة التثبيت المصطنع التي استنزفت السيولة وأفضت بالنهاية إلى رضوخ كامل لقوى العرض والطلب.
وانطلاقاً من الرصد البياني الفاصل بين السعر الرسمي والسعر الحر، تظهر الفجوة الرقمية بوضوح كيف تسبب التمسك بسعر دفتري في عزل الاقتصاد عن المتغيرات الحقيقية، مؤدياً إلى اتساع نطاق السوق الموازية واختناق القنوات التمويلية الشرعية، في ظل عجز السياسات النقدية عن حماية العملة إلا عبر استنزاف الاحتياطيات النقدية المتاحة.
ويؤكد الباحث الاقتصادي ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الأسبق ممدوح الولي أن الإصرار على تثبيت العملة يمثل هدراً فادحاً للموارد التمويلية، لافتاً إلى أن التعويم ليس سوى مرآة تعكس الاختلال الفعلي، ومشدداً على أن إخفاء المرض النقدي عبر القروض والدعم الشكلي يضاعف كلفة العلاج عند انفجار الأزمات اللاحقة.
عوامل هيكلية تفاقم نزيف العملة
واتصالاً بجذور الأزمة العميقة، يكمن الخلل الجوهري في معادلة الإنفاق الاستهلاكي المتضخم مقارنة بالإنتاج الفعلي الضعيف، حيث يستمر العجز التجاري المزمن مع تجاوز فاتورة الاستيراد حاجز 100 مليار دولار في بعض الفترات، مقابل عجز في الحساب الجاري يقارب 65 مليار دولار لتدبير السلع الغذائية والطاقة ومستلزمات الإنتاج الأساسية.
وبالإضافة إلى ذلك، جاء قرار إلغاء التحوط ضد تقلبات أسعار البترول في أبريل 2025 ليكبد الخزانة العامة خسائر بمليارات الدولارات نتيجة الشراء بالأسعار العالمية الفورية، متزامناً مع قفزة غير مسبوقة في الدين الخارجي الذي تخطى 160 مليار دولار مستنزفاً التدفقات النقدية والاحتياطيات لخدمة فوائده وأقساطه الدورية المرهقة.
وفي سياق متصل، استنزفت مشاريع "الفيل الأبيض" باهظة التكاليف غير المجدية جانباً واسعاً من الاحتياطيات الشحيحة دون مراعاة للأولويات الاقتصادية الملحة، في وقت تواصل فيه هيمنة القطاع العام والبيروقراطية الحكومية تقويض تنافسية القطاع الخاص، ما أدى إلى تقلص القاعدة التصديرية ذات القيمة المضافة ومحدودية العوائد التنموية المرجوة لتعزيز الناتج الإجمالي.
وتتفاقم الهشاشة المالية بفعل الاعتماد المتزايد على الروافد الريعية متقلبة العوائد مثل إيرادات قناة السويس والسياحة وتحويلات المغتربين، فضلاً عن الارتهان للأموال الساخنة التي سرعان ما تهرب خارج البلاد مع كل تحريك لأسعار الفائدة العالمية، مخلفة وراءها فجوات تمويلية مفاجئة تشعل المضاربات وتضغط بقوة على الجنيه المنهك.
وتزامنت تلك السياسات الداخلية مع صدمات إقليمية ودولية متلاحقة شملت تداعيات وباء كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، مروراً بالاضطرابات الجيوسياسية في البحر الأحمر والحرب على غزة، ما وجه ضربات مباشرة لحركة الملاحة وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة، معززاً الضغوط الواقعة على ميزان المدفوعات في مواجهة الالتزامات الدولارية الضخمة.
ويشير مدير وحدة العدالة الاجتماعية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والباحث الاقتصادي وائل جمال إلى أن الأزمة الحالية ليست مستوردة بل نتاج اختيارات اقتصادية منحازة للاستدانة والمشاريع الكبرى غير الإنتاجية، معتبراً أن غياب الرقابة التشاركية فاقم التبعية للتمويلات الخارجية وقوض قدرة الاقتصاد على الصمود أمام تقلبات العملة.
تحديات المستقبل وغياب المساءلة المؤسسية
وفي إطار قراءة التوقعات المستقبلية، يبرز التساؤل الملح حول ما إذا كانت الهدنة الحالية مجرد التقاط أنفاس مؤقت يسبق موجة هبوط جديدة، خاصة في ظل تغييب ثقافة المساءلة السياسية، وتجاهل محاسبة المسؤولين عن القرارات الفادحة كإلغاء التحوط النفطي، ما يحرم المنظومة من مراجعة أخطائها وتصحيح انحرافاتها المكلفة.
وعلاوة على ذلك، يستمر التكلس الإداري داخل أروقة المؤسسات الحكومية مع غياب التحول الرقمي والميكنة الشاملة لتبسيط الإجراءات الاستثمارية، مما يعطل تدفق رؤوس الأموال الحقيقية ويغرق بيئة الأعمال في تعقيدات روتينية طاردة، تؤكد بقاء الفلسفة الإدارية التقليدية ذاتها دون أي تطوير نوعي يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة.
ومما يزيد من قتامة الأفق المستقبلي هو الإصرار على التوسع في مشاريع البنية الدعائية غير العاجلة على حساب قطاعات الإنتاج والتصنيع المحلي، مجسداً غياباً تاماً للتغيير الجوهري في الرؤية الاقتصادية الرسمية، الأمر الذي ينذر باستمرار النزيف المالي وتجدد الضغوط العنيفة على الجنيه بمجرد مواجهة أي استحقاقات دين دولية قادمة.
وتتجلى مظاهر التخبط الحكومي بوضوح في التعامل مع القطاعات الحيوية وتجاهل مشورة المتخصصين، حيث تعجز المطارات عن تنظيم مواقف لسيارات الأجرة أمام صالات الوصول أو توفير الشرائح الإلكترونية eSIM للسياح بيسر، بينما تواصل السلطات فرض قيود مشددة وأسعار باهظة على شبكات الإنترنت باعتبارها سلعاً كمالية ترفيهية وليست ركائز رقمية أساسية.
ويؤكد أستاذ التمويل والاستثمار والخبير المالي مدحت نافع أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن اختزاله في قرارات تحريك سعر الصرف دون معالجة الهياكل المشوهة لقطاع التجارة وتكلفة الخدمات، موضحاً أن غياب البيئة التمكينية وتصلب المعاملات المؤسسية يحرمان الدولة من جني ثمار التنافسية السعرية ويجعلان التعويم مجرد وسيلة دورية لترحيل الأزمات.
وتبعاً لذلك، يتضح أن التعويم لم يكن يوماً هو المحرك لتآكل الثروات، وإنما عداد كاشف لحجم الضغوط المتراكمة على ميزان المدفوعات والاحتياطيات، بينما ظل التثبيت القسري مجرد آلية خادعة لتسكين الأوجاع وتأجيل الانفجار الحتمي، مما يبقي الاقتصاد رهيناً لدوامة التراجع ما لم يحدث انقلاب جذري في فلسفة إدارة الموارد.

