يمثل ظهور المواطن المصري السيد إبراهيم حسن السحيمي داخل سجن بدر ثلاثة دليلاً حياً على مأساة الإخفاء القسري التي تمارسها الأجهزة الأمنية ضد المواطنين، بعد انقطاع أخباره تماماً طوال سبع سنوات كاملة في ظروف بالغة القسوة.

 

وبناءً على ذلك، تعيد هذه الواقعة الصادمة تسليط الضوء على سياسة الاحتجاز غير القانوني الممنهجة التي تتبعها وزارة الداخلية، حيث يُحرم المعتقل من أدنى حقوقه الدستورية في التواصل مع أسرته أو إثبات مكان احتجازه الفعلي.

 

تفاصيل اختطاف السحيمي واحتجازه السري المشدد

 

وفي تفاصيل الحادثة، تعرض السحيمي البالغ من العمر خمسة وأربعين عاماً للاعتقال التعسفي في الثامن من شهر ديسمبر عام ألفين وتسعة عشر، أثناء سيره في أحد شوارع منطقة العصافرة التابعة لمحافظة الإسكندرية الساحلية.

 

ومنذ ذلك الحين، انقطعت الصلة بين الرجل وأسرته المكونة من ثلاثة أطفال وزوجة، عاشوا طوال تلك الأعوام في دوامة من الترقب والانتظار دون تلقي أي إخطار رسمي يوضح مصيره أو التهم الموجهة إليه قانوناً.

 

واستناداً إلى التوثيق الحقوقي، أكدت مؤسسة جوار لحقوق الإنسان أن قوة تابعة لجهاز الأمن الوطني باشرت عملية التوقيف الميداني، ثم نقلت الضحية إلى مقر غير معلوم لا يخضع لرقابة النيابة العامة أو الأجهزة القضائية المختصة.

 

وبالتوازي مع ذلك، عاش السحيمي عزلة مطبقة عن العالم الخارجي طيلة فترة التغييب، حيث لم يتمكن من معرفة ما حل بأفراد عائلته أو مصير أطفاله الصغار، في انتهاك صارخ لكل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

 

وفي هذا الإطار، يوضح الباحث الحقوقي والمحامي بالنقض أحمد مفرّح، المدير التنفيذي لمنظمة كوميتي فور جستس، أن نقل معتقل قسري إلى سجن بدر ثلاثة بعد سبع سنوات يعكس نمطاً راسخاً في احتجاز المعارضين خارج إطار الدستور والقانون.

 

وعلاوة على ذلك، يشير مفرّح إلى أن فترات الاحتجاز الطويلة في مقرات سرية تهدف بالأساس إلى تكسير الإرادة النفسية والجسدية للمحتجزين عبر سلبهم حق التمثيل القانوني وحرمانهم من الاتصال بالمحيط الاجتماعي لسنوات مديدة.

 

ومن زاوية أخرى، يؤكد مركز الشهاب لحقوق الإنسان أن واقعة السحيمي ليست حالة فردية أو معزولة، بل تندرج ضمن مئات الحالات المسجلة لأشخاص اختفوا قسرياً في المحافظات المصرية المختلفة قبل إحالتهم فجأة للنيابات الأمنية.

 

وفضلاً عن ذلك، يعيش مجمع سجون بدر ظروف احتجاز قاسية تتسم بانعدام معايير الشفافية، مما يزيد من المخاوف الحقيقية على حياة السحيمي وصحته البدنية بعد سنوات طويلة من التغييب التام خلف الجدران الإسمنتية.

 

ونتيجة لذلك، تحولت قضية السحيمي إلى شاهد عيان على استمرار سياسات القبضة الأمنية الصارمة التي يديرها النظام الحاكم لإسكات الأصوات وفرض حالة من الترهيب المجتمعي الواسع دون مراعاة لأدنى المعايير الحقوقية المعتمدة.

 

استراتيجيات الإنكار ومساعي تبرير التغييب

 

وفي المقابل، تواصل السلطات التنفيذية والأجهزة الأمنية نهج النفي القاطع لوجود أي ممارسة ممنهجة للإخفاء القسري، مدعية أن جميع إجراءات التوقيف والضبط تتم وفق ضوابط قانون الإجراءات الجنائية وأوامر النيابة العامة المسبقة.

 

وعلى الصعيد الرسمي، سبق وأن قدمت النيابة العامة المصرية خلال جلسات الاستعراض الدوري الشامل بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عام ألفين وتسعة عشر تقارير تفيد بعدم صحة غالبية ادعاءات الاختفاء المتداولة.

 

إلى جانب ذلك، عزت الرواية الحكومية حالات الغياب المسجلة إلى الهجرة غير النظامية عبر الحدود أو الالتحاق بتنظيمات مسلحة خارج البلاد، فضلاً عن إرجاع حالات أخرى إلى خلافات أسرية واجتماعية بحتة دون أدلة.

 

وفي غضون ذلك، أعلن المجلس القومي لحقوق الإنسان عام ألفين واثنين وعشرين تلقيه تسعة عشر بلاغاً فقط بشأن الاختفاء القسري، مؤكداً استمرار التنسيق مع وزارتي الداخلية والعدل للتحقق من تلك الحالات المحدودة.

 

ومن جهته، يرى الدكتور ماجد مندور، الباحث في علم الاجتماع السياسي، أن لجوء المنظومة الأمنية في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي إلى إنكار التغييب القسري يمثل ركيزة أساسية لتفادي المساءلة الجنائية الدولية.

 

ويضيف مندور موضحاً أن التناقض الصارخ بين الروايات الرسمية وظهور معتقلين بعد سنوات من الاختفاء يفضح غياب الرقابة القضائية، ويحول مراكز الاحتجاز التابعة لوزارة الداخلية إلى جزر منعزلة عن سيادة القانون العام.

 

وبالإضافة إلى ذلك، تعكس البيانات الصادرة عن الهيئات الرسمية مساعي مستمرة للالتفاف على التزامات مصر بموجب الاتفاقيات والمعاهدات الأممية التي تجرم الاحتجاز السري وتلزم الدول بتقديم سجلات فورية عن أماكن تواجد المحتجزين.

 

بيد أن الوقائع على الأرض تظهر اتساع الهوة بين الخطاب الدعائي والممارسات الميدانية، إذ تظل عائلات مئات المعتقلين محرومة من تلقي أي معلومات تثبت بقاء ذويهم على قيد الحياة داخل مقار الأجهزة الأمنية.

 

ومن ثم، يعمق ظهور السحيمي في سجن بدر أزمة الثقة المجتمعية في التصريحات الحكومية، مؤكداً استمرار الأجهزة الأمنية في توظيف سياسة التعتيم الكامل وتجريد المواطنين من حرياتهم الأساسية لفترات غير محددة زمنياً.

 

مطالبات حقوقية بفتح تحقيقات دولية ومحلية

 

وعلى خلفية ذلك، وجهت منظمات المجتمع المدني نداءات عاجلة لإدارة سجن بدر ثلاثة للسماح الفوري لأسرة السحيمي بزيارته والاطلاع المباشر على حالته الجسدية والنفسية بعد انقطاع قسري دام نحو سبعة أعوام كاملة.

 

كما شددت مؤسسة الشهاب لحقوق الإنسان على ضرورة تمكين السحيمي من التواصل الحر مع محاميه لمباشرة الإجراءات القانونية اللازمة، والتحقق من سلامة موقفه الإجرائي بعد سنوات من التغييب دون مسوغ قانوني معلن.

 

وفي هذا السياق، يؤكد المحامي بالنقض خلف بيومي، مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان، أن المسؤولية الجنائية تقع مباشرة على عاتق قيادات جهاز الأمن الوطني المشرفة على مقار الاحتجاز غير المعلنة طوال تلك السنوات.

 

ويوضح بيومي أن استمرار إخفاء المواطنين لسنوات يشكل جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم وفق القانون الدولي، وتستوجب ملاحقة مرتكبيها قضائياً أمام المحاكم الجنائية المختصة لإنهاء مناخ الإفلات المستمر من العقاب في مصر.

 

وتأسيساً على ذلك، تطالب الجهات المدافعة عن حقوق السجناء بفتح تحقيق قضائي شفاف ومستقل تحت إشراف هيئات مدنية محايدة، لتحديد مقار الاحتجاز غير المعلنة التي قبع فيها السحيمي ومحاسبة المتورطين باختطافه.

 

وعلى الصعيد الدولي، تتصاعد الدعوات الموجهة للفريق المعني بحالات الاختفاء القسري التابع للأمم المتحدة للتدخل العاجل لدى الحكومة المصرية وإلزامها بكشف مصير المئات من المختفين قسرياً وإخضاع مقرات الاحتجاز لرقابة دولية صارمة.

 

ومن ناحية موازية، تدعو منظمات المجتمع المدني أسر الضحايا إلى مواصلة التوثيق المستمر وتقديم الشكاوى والبلاغات القانونية، لتثبيت الجرائم المرتكبة ضد ذويهم ومنع طمس الأدلة التي تثبت تورط الأجهزة الأمنية في الإخفاء.

 

علاوة على ما سبق، يمثل فتح ملف سجن بدر خطوة حيوية لكسر جدار الصمت حول الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها السجناء السياسيون، والضغط لإنهاء الحبس الانفرادي المطول وحرمان المحتجزين من الرعاية الطبية اللازمة.

 

وختاماً لهذا الملف، يبقى إنهاء جريمة الإخفاء القسري والإفراج عن المحتجزين تعسفياً مطلباً جوهرياً لجميع القوى الحقوقية، التي تؤكد أن العدالة لن تتحقق إلا بمحاسبة كل من تورط في سلب حريات المواطنين دون وجه حق.