يُعيد إعلان قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي تحويل "منتدى مصر" إلى فعالية سنوية إنتاج ذات المشهد الاستعراضي المألوف. إذ يسعى النظام عبر هذه المنصات إلى تسويق وهم التفاعل الشعبي، بينما تغيب الإجراءات الفعلية التي تمس حياة المواطنين اليومية وتنهي معاناتهم المتفاقمة.
وتتجاهل السلطة في توجهها الجديد بعقد جلسات شهرية لمناقشة القطاعات الحكومية حصاد الفشل الذي لاحق المبادرات السابقة منذ سنوات. فبينما تكتظ القاعات بالحضور الموجه، تظل الأزمات الاقتصادية والسياسية تراوح مكانها دون حلول جذرية أو قرارات تغير مسار التدهور المستمر.
مقبرة التوصيات تُغيب الإصلاح الحقيقي
ومن هذا المنطلق، يستدعي هذا التحرك الرسمي ذاكرة المصريين المثقلة بتجربة "الحوار الوطني" التي انطلقت في أبريل 2022. حيث انتهت تلك الجلسات المطولة بعشرات التوصيات الحبيسة في الأدراج، دون أن تجد طريقها نحو التنفيذ الفعلي على أرض الواقع.
وعلاوة على ذلك، يتساءل المراقبون عن جدوى إطلاق مسميات جديدة للفعاليات الحكومية في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية للتغيير. إذ تتحول هذه التجمعات الدورية إلى مجرد واجهات إعلامية لتجميل صورة الإدارة التنفيذية وتصدير خطاب زائف عن المشاركة المجتمعية.
وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب والباحث السياسي وعضو مجلس أمناء الحوار الوطني السابق خالد داود أن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب التنفيذ. حيث يوضح أن عقد جلسات إضافية لن يغير من الواقع شيئًا طالما تُهمل مخرجات النقاشات السابقة بشكل متعمد.
وبالإضافة إلى ذلك، يشير داود إلى أن اللجنة التي أعلن رئيس الوزراء تشكيلها لمتابعة تنفيذ التوصيات لم تجتمع قط. إذ بقيت تلك اللجنة حبرًا على ورق منذ تشكيلها، مما نسف ما تبقى من ثقة لدى القوى السياسية والمجتمعية في جدوى المشاركة.
ومن جهة أخرى، تتنصل الجهات التنفيذية من وعودها المتكررة بتحويل المقترحات الاقتصادية والسياسية إلى تشريعات ملزمة وقرارات حكومية نافذة. حيث تكتفي الوزارات بعرض إنجازات وهمية في جلسات مغلقة، متغافلة عن المطالب الجوهرية التي طرحها الخبراء خلال السنوات الماضية.
ونتيجة لذلك، تترسخ قناعة عامة بأن "منتدى مصر" ليس سوى امتداد لسلسلة مؤتمرات الشباب التي استنزفت الموارد العامة دون طائل. إذ تفتقر هذه الفعاليات إلى آليات رقابية تضمن محاسبة المسؤولين عن تقاعسهم في تطبيق السياسات المتفق عليها مسبقًا.
وعلى الصعيد ذاته، تستمر الماكينة الإعلامية في الترويج لقرار قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي باعتباره فتحًا ديمقراطيًا غير مسبوق. بينما يصطدم هذا الخطاب الدعائي بواقع معيشي مأزوم يدفع ثمنه المواطن البسيط الذي لا يجد صدى لأولوياته في أجندة الحكومة.
وبناءً على ما تقدم، تصبح الدعوة لعقد جلسات شهرية مجرد محاولة لتشتيت الانتباه عن الإخفاقات الهيكلية المتلاحقة في إدارة الدولة. حيث تغيب الشفافية التامة عن معايير اختيار المشاركين، وتُقصى الأصوات المستقلة التي تمتلك رؤى بديلة للخروج من النفق المظلم.
وإلى جانب ذلك، تفتقد هذه المنتديات إلى أي التزام زمني محدد يفرض على السلطة التنفيذية مراجعة سياساتها الخاطئة وتصحيح مسارها. إذ تتحول اللقاءات الشهرية المقترحة إلى منابر دعائية يستعرض فيها الوزراء أرقامًا غير مدققة لا تعكس حقيقة التدهور في القطاعات الخدمية.
القبضة الأمنية تخنق المجال العام
وفي موازاة ذلك، يصطدم الحديث الرسمي عن "قيمة الحوار" بواقع سياسي مغلق تهيمن عليه القبضة الأمنية وتُصادر فيه الحريات الأساسية. حيث يستحيل إنتاج نقاش وطني جاد في بيئة تفتقر إلى أبسط ضمانات التعبير الحر والمنافسة السياسية العادلة بين مختلف التيارات.
ومن ناحية أخرى، تشترط القوى الديمقراطية لنجاح أي تفاعل سياسي ضرورة فتح المجال العام وإنهاء حالة التأميم المفروضة على العمل الحزبي. إذ لا يمكن الحديث عن شراكة في صنع القرار بينما تقبع الكوادر السياسية والنشطاء خلف القضبان على خلفية قضايا رأي ملفقة.
وفي هذا الإطار، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور مصطفى كامل السيد أن أي حوار يفقد معناه في ظل التضييق المستمر. حيث يؤكد أن غياب الصحافة الحرة والمستقلة يحرم المجتمع من أداة رقابية أساسية لتقييم السياسات الحكومية ومناقشة البدائل المطروحة بشفافية.
وفضلاً عن ذلك، يشدد السيد على أن استمرار حبس المعارضين السلميين يتناقض جذريًا مع دعوات السلطة المتكررة للاستماع إلى الرأي الآخر. إذ تُفرغ هذه الممارسات القمعية المنتديات الرسمية من مضمونها السياسي، وتحولها إلى جلسات استماع شكلية تضم المؤيدين فقط.
وعلى النقيض من الرواية الرسمية، تشهد الساحة المصرية تراجعًا مستمرًا في مؤشرات حرية الرأي والتعبير نتيجة حجب المواقع الصحفية المستقلة. حيث تُفرض قيود صارمة على تداول المعلومات، مما يمنع الخبراء من الوصول إلى البيانات الحقيقية اللازمة لصياغة سياسات عامة رشيدة.
وبالإضافة إلى ما سبق، تعاني الأحزاب السياسية من حصار تنظيمي ومالي يشل قدرتها على التواصل الجماهيري وطرح برامجها البديلة في الشارع. إذ تقتصر الأنشطة المسموح بها على دوائر ضيقة خاضعة للمراقبة، وهو ما يقوض فكرة التعددية التي يدعي المنتدى السعي لترسيخها.
ومن ثم، يبدو إصرار النظام على تنظيم فعاليات حوارية جديدة بمثابة هروب إلى الأمام لتجنب استحقاقات الإصلاح السياسي الحقيقي والشامل. حيث ترفض السلطة تقديم أي تنازلات جوهرية تتعلق بتداول السلطة أورفع يد الأجهزة الأمنية عن الحياة العامة والنقابات المهنية.
علاوة على ذلك، يكشف تجاهل ملف المعتقلين السياسيين خلال جلسات المنتدى الأخير عن انفصال تام بين أجندة السلطة ومطالب القوى الحية. إذ يُعد الإفراج الفوري عن سجناء الرأي الاختبار الحقيقي الوحيد لمدى جدية النظام في فتح صفحة جديدة مع المجتمع المصري.
وتأسيسًا على ذلك، تظل البيئة السياسية الراهنة طاردة لأي كفاءات وطنية مستقلة ترغب في المساهمة الفعلية في إنقاذ البلاد من أزمتها. حيث يخشى الأكاديميون والمهنيون من الملاحقة الأمنية أو التشويه الإعلامي إذا ما طرحوا رؤى تتعارض مع التوجهات الرسمية السائدة.
استعراض الإنجازات الوهمية وتجاهل الأزمات
وفي سياق متصل، يكشف توجيه قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بتخصيص جلسات لعرض "الإنجازات" عن الطبيعة الدعائية لهذا المنتدى السنوي. حيث تهدف هذه الخطوة إلى تلميع أداء الحكومة والتغطية على الفشل الذريع في إدارة الملفات الاقتصادية والمعيشية التي تطحن المواطنين.
ومن هذا المنظور، يتحول المنتدى من مساحة للاستماع إلى أولويات الشعب إلى منصة رسمية لتبرير السياسات المالية والنقدية التي أفقرت الملايين. إذ تغيب عن جدول الأعمال مناقشة أسباب التضخم الجامح وتدهور قيمة العملة المحلية وتفاقم أزمة الديون الخارجية غير المسبوقة.
وفي هذا الصدد، يوضح الخبير الاقتصادي والمستشار السابق بالبنك الدولي الدكتور جوده عبدالخالق أن الأولويات الاقتصادية تحتاج لتغيير جذري في السياسات. حيث يشير إلى أن التوسع في المشروعات الكبرى غير المدروسة استنزف الموارد الدولارية وأدى إلى اختلالات هيكلية عميقة في الموازنة.
وبموازاة ذلك، يؤكد عبدالخالق أن الحوار الاقتصادي الحقيقي يتطلب إخضاع كافة الصناديق الخاصة والهيئات الاقتصادية لرقابة البرلمان والجهاز المركزي للمحاسبات. إذ لا يمكن رسم سياسات مستقبلية سليمة في ظل غياب وحدة الموازنة العامة واستمرار الإنفاق خارج الأطر الدستورية والرقابية المعتادة.
ومع ذلك، تتجاهل الجلسات الحكومية هذه المطالب الجوهرية، مفضلة التركيز على عروض تقديمية براقة تفتقر إلى المصداقية والشفافية في عرض البيانات. حيث يتم انتقاء أرقام ومؤشرات بعينها للإيحاء بوجود تعافٍ اقتصادي، بينما يعاني القطاع الخاص من الركود ومزاحمة المؤسسات السيادية.
وإضافة إلى هذا، يغيب المواطن العادي تمامًا عن معادلة صنع القرار، رغم ادعاء القائمين على المنتدى سعيهم لخلق تفاعل مباشر معه. إذ تُصاغ السياسات العامة في غرف مغلقة بمعزل عن ممثلي الفئات المتضررة من غلاء الأسعار وتراجع جودة الخدمات الصحية والتعليمية.
وبناءً عليه، فإن تحويل المنتدى إلى فعالية سنوية لن يغير من حقيقة كونه أداة لإعادة إنتاج نفس النخب والسياسات الفاشلة. حيث تظل القرارات المصيرية حكرًا على دائرة ضيقة في قمة السلطة، لا تقبل المراجعة أو المساءلة الشعبية تحت أي ظرف.
وفي نهاية المطاف، يثبت الواقع المعاش أن أزمة مصر لا تكمن في نقص المؤتمرات أو قلة الجلسات الحوارية، بل في غياب الديمقراطية. إذ ستبقى كافة التوصيات مجرد حبر على ورق طالما استمرت السلطة في احتكار المجال العام وإقصاء المعارضة وتجاهل أنين الشارع.

