تتصاعد وتيرة الجرائم الممنهجة داخل المنشآت العقابية المصرية عبر حملات تنكيل مسعورة تستهدف سحق الكرامة الإنسانية للمعتقلين، وتجريدهم من أبسط حقوقهم المعيشية والصحية المكفولة قانونًا، وسط غياب تام لأي رقابة قضائية حقيقية.
​
​
وتنفذ الأجهزة الأمنية التابعة لنظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي استراتيجية عقابية متكاملة تجمع بين الاقتحامات العنيفة للعنابر والحرمان المتعمد من الرعاية الطبية، مما يحول مقار الاحتجاز إلى ساحات تصفية بطيئة تفتك بالأرواح.
​
​
اقتحام سجن جمصة وترويع المعتقلين
​
​
وفي هذا السياق، شنت قوات الأمن حملة تفتيش موسعة وشرسة داخل سجن جمصة شديد الحراسة خلال الساعات الماضية، بهدف تقويض الأوضاع المعيشية للمعتقلين وتضييق الخناق عليهم داخل زنازينهم المغلقة بإحكام.
​
​
وعلاوة على ذلك، قاد هذه الهجمة القمعية ضابطان بجهاز الأمن الوطني بمحافظة الدقهلية، وهما أحمد الزهيري المعروف حركيًا باسم محمد جمال، ومحمد الإمام المتخفي خلف الاسم الحركي أحمد عماد، لإحكام السيطرة الأمنية.
​
​
ومن ناحية أخرى، أشرف الضابطان بشكل مباشر وميداني على عمليات الاقتحام والتجريد داخل العنابر، حيث أصدرا أوامر فورية بمصادرة المتعلقات الشخصية وتدمير المحتويات المعيشية الضرورية لبقاء المحتجزين على قيد الحياة.
​
​
وبالتوازي مع ذلك، أسفرت الحملة الأمنية المسعورة عن إغلاق العنبر الأول بالكامل بشكل تعسفي، الأمر الذي أدى إلى شل حركة المعتقلين تمامًا وعزلهم عن العالم الخارجي في ظروف احتجاز بالغة القسوة.
​
​
وفضلاً عن هذا الإغلاق، نفذت القوات المهاجمة اقتحامًا عنيفًا لخمس غرف سكنية، وقامت بتفتيشها بدقة متناهية وبأسلوب همجي يهدف بالأساس إلى ترويع السجناء وبث حالة من الذعر النفسي المستمر بينهم.
​
​
ونتيجة لتلك الممارسات، تصاعدت حدة الانتهاكات الجسدية خلال العملية لتستهدف بالتعذيب المباشر المعتقل حسن محمد السقاوي المنحدر من محافظة قنا، حيث تعرض لاعتداءات بدنية وحشية على يد أفراد القوة المهاجمة.
​
​
وبالإضافة إلى الاعتداء، فرضت إدارة السجن عقوبات انتقامية قاسية بحق السقاوي، تضمنت نقله قسرًا إلى عنبر الدواعي المعروف بعنبر التأديب، لضمان عزله تمامًا وممارسة ضغوط نفسية مضاعفة على أسرته ومحيطه.
​
​
وفي هذا الصدد، يؤكد الباحث الحقوقي ومدير مؤسسة جوار للحقوق والحريات، حسام بهجت، أن استخدام الأسماء الحركية لضباط الأمن الوطني داخل السجون يرسخ سياسة الإفلات من العقاب ويحمي الجناة من الملاحقة القضائية مستقبلاً.
​
​
كما يوضح الخبير الحقوقي، خلف بيومي، مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان، أن عمليات التجريد والعزل الانفرادي في غرف التأديب تمثل جريمة تعذيب مكتملة الأركان تهدف إلى كسر إرادة المعتقلين السياسيين وإخضاعهم.
​
​
جريمة الإهمال الطبي وقتل الشافعي
​
​
ومن جانب آخر، تتواصل فواجع الإهمال الطبي المتعمد داخل مقار الاحتجاز، حيث لفظ المعتقل خالد محمد عبدالله الشافعي أنفاسه الأخيرة داخل مستشفى الأحرار، إثر تدهور حاد وممنهج في حالته الصحية الحرجة.
​
​
وتأسيسًا على ما سبق، جاءت وفاة الشافعي نتيجة مباشرة لحرمانه الطويل من الرعاية الصحية الضرورية داخل محبسه، ومماطلة السلطات الأمنية في نقله للمستشفى لتلقي العلاج اللازم قبل تفاقم إصابته بشكل قاتل.
​
​
وفي سياق متصل، كان الضحية يستعد لإجراء عملية جراحية عاجلة وضرورية لبتر ساقه الأسبوع الماضي داخل مستشفى ههيا المركزي، إلا أن التعنت الأمني حال دون إتمام الإجراءات الطبية في وقتها المناسب.
​
​
وبعد فوات الأوان، قامت قوات الأمن بنقل المعتقل الضحية بصورة متأخرة للغاية إلى مستشفى الأحرار بمدينة الزقازيق، حيث فشل الأطباء في إنقاذ حياته ليلفظ أنفاسه الأخيرة متأثرًا بمضاعفات صحية شديدة وخطيرة.
​
​
وجدير بالذكر أن الفقيد ظل محتجزًا داخل مركز شرطة الإبراهيمية بمحافظة الشرقية طوال ستة أشهر متواصلة، في بيئة تفتقر لأدنى معايير السلامة الصحية والآدمية، مما سرع من وتيرة تدهور وضعه الجسدي.
​
​
وإلى جانب ذلك، يمتلك الشافعي تاريخًا من المعاناة مع القبضة الأمنية، حيث سبق أن تعرض للاعتقال التعسفي خلال شهور عام الفين واثنين وعشرين، ليعود مجددًا إلى دائرة الاستهداف والتنكيل التي أودت بحياته.
​
​
وطوال فترة احتجازه، عانى المواطن الراحل من غياب تام للعلاج والأدوية الأساسية التي تتطلبها حالته المزمنة، وسط تجاهل متعمد من إدارة المركز لكافة الاستغاثات المتكررة التي أطلقتها أسرته لإنقاذ حياته.
​
​
وفي ظل هذه الكارثة، يقول الطبيب والباحث في ملف الحقوق الصحية، الدكتور مصطفى جاويش، إن تأخير التدخلات الجراحية الحرجة للمعتقلين، وخاصة عمليات البتر، يعد قتلاً عمدًا بالترك ويمثل انتهاكًا صارخًا للدستور.

 

ومن جهته، يشدد مدير الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، أحمد العطار، على أن مراكز الشرطة تحولت إلى مقابر للأحياء بسبب التكدس الشديد ومنع دخول الأدوية، مما يجعل الوفاة نتيجة حتمية ومقصودة أمنيًا.
​
​
إفلات الجناة ومطالب المحاسبة العاجلة
​
​
وبناءً على تلك الجرائم، أعلن مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن إدانته البالغة لوفاة المعتقل خالد الشافعي، محملاً وزارة الداخلية المسؤولية الجنائية الكاملة عن تدهور حالته الصحية التي انتهت بوفاته داخل المستشفى.
​
​
وفي إطار التحرك الحقوقي، طالب المركز بضرورة فتح تحقيق عاجل ومستقل ومحايد في كافة ملابسات وفاة الضحية، لتحديد المسؤولين المباشرين عن هذا التقصير الطبي المتعمد الذي أودى بحياته في النهاية.
​
​
ولتحقيق العدالة الناجزة، شددت المنظمة الحقوقية على حتمية تقديم كل من يثبت تورطه في حرمان الفقيد من الرعاية الصحية العاجلة إلى المحاكمة الجنائية، لضمان توقيع عقوبات قانونية رادعة تمنع تكرار المأساة.
​
​
وإضافة إلى المحاسبة، تتصاعد المطالبات بإلزام الجهات الأمنية بتوفير الرعاية الصحية الفورية لجميع المحتجزين دون استثناء، ورفع كافة القيود التعسفية والإدارية التي تحول دون حصول المرضى داخل السجون على علاجهم.
​
​
ولمواجهة هذا التعتيم، تبرز الحاجة الملحة للسماح للمنظمات الحقوقية والجهات القضائية المستقلة بزيارة أماكن الاحتجاز بشكل دوري ومفاجئ، للوقوف الفعلي على الحالة الصحية والمعيشية للمعتقلين وتوثيق الانتهاكات الجسيمة التي يتعرضون لها.
​
​
ورغم هذه المطالبات، تواصل النيابة العامة تجاهل البلاغات المقدمة ضد ضباط الأمن الوطني وإدارات السجون، مما يمنح الأجهزة الأمنية ضوءًا أخضر للاستمرار في عمليات القتل البطيء والتعذيب الممنهج دون خوف.
​
​
وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير القانوني والمحامي بالنقض، أسامة بيومي، أن تقاعس النيابة العامة عن تفتيش السجون والتحقيق في وفيات المعتقلين يجعلها شريكًا أصيلاً في الجريمة ويهدر ضمانات المحاكمة العادلة.
​
​
وختامًا لهذا المشهد، يرى الباحث في الشأن الحقوقي والقانوني، محمد زارع، أن غياب الإرادة السياسية لمحاسبة المتورطين في انتهاكات السجون يدفع المنظومة العقابية نحو الانهيار الكامل ويحولها إلى أداة للانتقام السياسي.