افتتح قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي منتدى العاصمة الإدارية رافعاً شعارات حماية الهوية والذاكرة الوطنية، في محاولة مستمرة لتصدير مقولة الإنجازات وتجاهل الأزمات المعيشية الصادمة التي تعصف بالمواطنين وتهدد استقرار حياتهم اليومية.
​
​
يتزامن ذلك المسعى الترويجي مع تصاعد التساؤل الشعبي الملح حول ما إذا كانت تلك الفعاليات تجسد حقيقة الإنجازات أم تعكس عمق الأزمات المتراكمة التي تسحق ملايين الأسر المصرية تحت وطأة الغلاء الفاحش وتآكل الدخول.
​
​
حقيقة الدعاية وتزييف الواقع المعيشي
​
​
إذ تبارى المتحدثون في الجلسة الافتتاحية على مدى ساعتين داخل فندق سانت ريجيس الفخم بالحديث عن مؤامرات السوشيال ميديا للتقليل من المشروعات، متجاهلين قضايا الأجور المتدنية والبطالة وارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والغاز والماء.
​
​
علاوة على ذلك اعتبر نشطاء أن هذه المؤتمرات الباهظة تمثل ملهى دعائياً يرمي لتجميل صورة السلطة أمام الرأي العام المتأزم، خصوصاً مع تنامي الصراعات الخفية بين الأجهزة السيادية حول استمرار رأس النظام في الحكم بعد 2030.
​
​
في السياق نفسه رصد المتابعون تكثيفاً غير مسبوق في الخطابات الرسمية، حيث ألقى المنظمون أربع خطب متتالية خلال ستة أيام أمام العسكريين والشرطة لتمرير روايات الاستقرار وتفادي الإجابة عن التدهور الاقتصادي الذي يحاصر الشارع.
​
​
من جهتهم سخر مواطنون كأحمد وقاسم من محاور المنتدى الأربعة المعلنة، مؤكدين أن الاجتماعات تستهدف غلق الباب أمام البدائل وتبرير المشروعات العقارية غير المجدية بدلاً من توفير الدواء ورغيف الخبز لثلثي الشعب تحت خط الفقر.
​
​
استناداً إلى ذلك أكد الحاج حمدي أن تكاليف الزراعة ومستلزمات الإنتاج كالأسمدة والوقود ارتفعت بصورة جنونية جعلت الفلاح عاجزاً عن تدبير قوته، متسائلاً عن جدوى تلك اللقاءات في خفض السولار وشكائر النترات الملتهبة.
​
​
إضافة إلى ذلك شهدت أسعار السولار قفزات متتالية من 110 قروش إلى 20.50 جنيهاً في مارس الماضي، بينما صعد سعر شيكارة اليوريا من مئة جنيه إلى أكثر من ألف جنيه لتنهك المزارعين تماماً.
​
​
في هذا الإطار أوضح الباحث في الملف الاقتصادي والناشط العمالي حسن بربري أن السلطة تتجاهل التوقيت المأزوم للمنتدى، حيث يتزامن مع وصول الدولار لأكثر من 54 جنيهاً مصرياً وارتفاع عجز الميزان التجاري بنسبة 27 بالمئة.
​
​
تبعاً لذلك بين الباحث المتخصص أن تراجع مؤشرات البورصة وانسحاب المستثمرين الأجانب يبرهنان على هشاشة الموقف المالي، رغم محاولات امتصاص الخسائر عبر طرح أسهم بنك القاهرة وشركة حالا للتكنولوجيا بصورة اضطرارية مؤخراً.
​
​
بموازاة ذلك شدد الخبير الاقتصادي على أن انتهاء برنامج الصندوق الدولي بقيمة ثمانية مليارات دولار بالتزامن مع التوترات الإقليمية والغموض حول الدستور، يضع النظام في مأزق بنيوي عميق لا تجدي معه المهرجانات الاستعراضية.
​
​
أرقام المديونية وابتلاع الموازنة العامة
​
​
فضلاً عن ذلك تتراكم الالتزامات المالية على الخزانة العامة بصورة قياسية، حيث وصل الدين الخارجي لمصر إلى 166.45 مليار دولار بنهاية الربع الثاني، مسجلاً صعوداً متواصلاً يهدد باستنزاف كافة الموارد السيادية الشحيحة لصالح الدائنين.
​
​
بناءً على ذلك تواجه القاهرة استحقاقات خارجية خانقة تناهز 61 مليار دولار خلال العام المالي الجاري، تتوزع بأقساط تبلغ 53.8 مليار دولار وفوائد تصل لنحو 7.1 مليار دولار تسلب المواطنين حقوقهم في التنمية.
​
​
ارتباطاً بذلك أفادت إحصاءات البنك المركزي المصري بقفزة كبيرة في فوائد الديون المسددة للأجانب لتصل إلى 8.1 مليار دولار بزيادة سنوية بلغت 11 بالمئة، مما يكرس خضوع الموازنة التام لأعباء الاستدانة المتوحشة.
​
​
في ضوء ذلك أصدرت مؤسسات التمويل الدولية تحذيراتها الحازمة من تفاقم صافي الدين الحكومي ليصل إلى 78 بالمئة من الناتج المحلي، متوقعة بلوغه 22.2 تريليون جنيه مصري بحلول نهاية العام المالي القادم.
​
​
بالإضافة إلى ذلك تسعى السلطات لتأجيل أزماتها عبر التفاوض الحثيث مع الرياض لتجديد ودائع بقيمة 5.3 مليار دولار مستحقة، ضمن حزمة ودائع خليجية ثقيلة مستحقة السداد تمثل عبئاً إضافياً على القرار الوطني.
​
​
على صعيد متصل نبه القيادي بحزب التحالف الشعبي والباحث الاقتصادي حسن بربري إلى أن مصروفات فوائد الدين التهمت 2.02 تريليون جنيه، بنسبة 54 بالمئة من مصروفات الموازنة، مقابل فتات للأجور والدعم والاستثمار.
​
​
تأسيساً على ذلك تساءل القيادي الحزبي المتخصص عن مغزى استمرار الاقتراض التراكمي المقدر بنحو أربعة تريليونات جنيه هذا العام لتمويل عجز الموازنة وسداد الفوائد السابقة فقط، دون إحداث أي توسع حقيقي في الطاقات الإنتاجية للبلاد.

تأكيداً لذلك أشار الباحث ذاته إلى أن تكلفة خدمة الدين الإجمالية التي تبلغ 5.2 تريليون جنيه تعطل قدرة الدولة على بناء المدارس والمستشفيات، وتصادر مستقبل الأجيال القادمة لتغطية سياسات إنفاقية غير خاضعة للرقابة المجتمعية.
​
​
نتيجة لذلك تعجز بنود الموازنة العامة المخصصة للأجور والصحة والتعليم عن حماية الأسر من شبح الفقر المدقع، بينما تذهب الحصيلة الأكبر من عرق الكادحين لسداد التزامات القروض التي استهلكتها مشروعات العاصمة وفنادقها.
​
​
معضلة الوعي المفقود وتدهور المعيشة
​
​
على نحو متصل طالب متضررون بمحاسبة الأجهزة السيادية كجهاز مستقبل مصر الذي يسيطر على تصدير السلع الاستراتيجية كالأرز والسكر، بعدما تسبب قراره برفع طن السكر بنسبة 23.8 بالمئة في مفاقمة معاناة الأسر الفقيرة.
​
​
جراء ذلك تراجعت مصر إلى المرتبة 55 في مؤشر الجوع العالمي لعام 2026، مما يثبت تهاوي الوعود الحكومية في توفير الأمن الغذائي الأساسي لنحو 109 ملايين مصري يئنون تحت ضربات التضخم وتآكل الرواتب.
​
​
في المقابل يصر الخطاب الرسمي على اختزال أزمة البلاد في غياب الوعي والتأثر بمواقع التواصل الاجتماعي، محاولاً إلزام الجماهير بالتصفيق لمشروعات الأسمنت والخرسانة بينما تعجز رواتبهم الهزيلة عن تأمين وجبة غذاء متكاملة لأطفالهم.
​
​
من هذا المنطلق واجه الباحث الاقتصادي والناشط العمالي حسن بربري هذا الطرح بالتأكيد على أن الوعي الحقيقي يتطلب بناء اقتصاد إنتاجي يوفر فرص العمل اللائقة، بدلاً من إجبار الجماهير على تصديق منجزات لا يلمسونها.
​
​
استكمالاً لرؤيته أوضح القيادي بحزب التحالف الشعبي أن مطالبة المواطن المنهك بتفهم نجاحات وهمية تتناقض كلياً مع حرمانه من السكن والدواء، مما يجعل الحملات الدعائية عديمة الجدوى أمام قسوة الواقع الاقتصادي اليومي والفقر المستشري.
​
​
إلى جانب ذلك لفت الباحث العمالي الانتباه إلى موجات الانكماش القاسية التي تضرب القطاع الخاص حالياً، والتي أسفرت مؤخراً عن تسريح عشرين ألف عامل في شركات الأجهزة الكهربائية وتزايد طوابير العاطلين عن العمل.
​
​
تتويجاً لتلك الرؤية طالب الخبير الاقتصادي بضرورة كسر احتكار الرواية الحكومية وتقديم كشف حساب شامل يوضح للشعب التكلفة الحقيقية لسياسات السلطة، مع فتح المجال لمساءلة المسؤولين عن إهدار الموارد وتدمير مستويات المعيشة.
​
​
تأكيداً على ذلك يطالب الشارع بوقف نزيف القرارات الخاطئة وإنهاء احتكار الأجهزة للأسواق، والانتقال الفعلي من مؤتمرات العلاقات العامة الباذخة إلى مواجهة اختلالات الاقتصاد الحقيقية التي تطحن ملايين المواطنين بلا هوادة.
​
​
في المحصلة تظل مؤتمرات العاصمة المعزولة عاجزة عن تجميل الفشل الاقتصادي الميداني، طالما استمرت أجهزة الحكم في بيع الأصول العامة وتجاهل مطالب ملايين الجياع الذين يبحثون عن حلول واقعية لأزماتهم لا مهرجانات دعائية.