تجرد محاكم مجلس الدولة الموظفين الحكوميين من أبسط ضماناتهم القانونية في مواجهة القرارات الإدارية التعسفية، بعدما رسخت المحكمة الإدارية العليا مبدأ إسقاط الرواتب وحرمان العاملين المعترضين من مستحقاتهم المالية بدعوى الامتناع غير المشروع عن العمل.

​

​وفي هذا السياق، تكرس الأحكام القضائية الصادرة حديثا هيمنة السلطة التنفيذية على مفاصل الجهاز الإداري، متجاهلة التعسف والضغوط التي تدفع الكوادر المهنية لرفض قرارات النقل والإبعاد عن مواقع خدمتهم الأصلية دون مراعاة لأوضاعهم الأسرية.

​

​إهدار الحماية القضائية للموظف العام

​

​وبناء على ذلك، يمثل حكم الدائرة السادسة بالمحكمة الإدارية العليا تحولا خطيرا ينسف قرينة الأمان الوظيفي، حيث اعتبرت المحكمة الطعن القضائي على قرارات الندب أو النقل إجراء شكليا عاجزا عن وقف تنفيذ القرارات بصورة تلقائية.

​​

ومن هذا المنطلق، يدفع العاملون في الهيئات الحكومية ثمن بطء إجراءات التقاضي الإداري، إذ يجبر الموظف المطعون في قرار نقله على الامتثال القسري أو مواجهة مصير التجويع وقطع سبل العيش قبل الفصل النهائي في شرعية القرار.

​

واستنادا إلى وقائع النزاع، تفجرت القضية إثر صدور القرار الإداري رقم 696 لسنة 2020 بندب زائرة صحية وممرضة من عيادة الأمل إلى مديرية الشئون الصحية ببورسعيد، وهو ما اعتبرته الموظفة إجراء جائرا يستهدف تهميش دورها المهني.

​

​وإزاء هذا الموقف، لجأت الموظفة إلى محكمة القضاء الإداري ببورسعيد في الدعوى رقم 3221 لسنة 11 ق لإلغاء الندب، متمسكة بالبقاء في موقعها الوظيفي السابق، لترد الهيئة العامة للتأمين الصحي بوقف صرف راتبها الشهري بالكامل.

​

​وفي المقابل، قضت محكمة القضاء الإداري ببورسعيد أولا بأحقية الممرضة في صرف راتبها بأثر رجعي، معتبرة أن منازعتها القضائية وتواجدها بمقرها القديم يمنعان وصفها بالمنقطعة، قبل أن تجهض المحكمة الإدارية العليا ذلك الحكم في الطعن 15877.

​

​وعلى ضوء هذه التطورات، يوضح المحامي بالنقض والمستشار القانوني للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية مالك عدلي أن هذا المنهج القضائي يجرد دعاوى الإلغاء من فاعليتها، ويحول شق وقف التنفيذ إلى مسار شكلي عديم الأثر الواقعي.

​

​ويضيف مالك عدلي في قراءته للقضية أن افتراض مشروعية القرارات الإدارية بشكل مطلق يخل بمبدأ التوازن بين جهة الإدارة والموظف الضعيف، مما يحول سلطة الندب من أداة للمصلحة العامة إلى عقوبة تأديبية مقنعة ضد المغضوب عليهم.

​

​وحيث تشير وثائق الدعوى، فقد تقاضت الموظفة راتبها حتى نهاية سبتمبر 2020، بينما حُرمت منه تماما منذ أكتوبر 2020 وحتى نهاية أبريل 2023، رغم استمرارها في النزاع القانوني ورفضها التنكيل الوظيفي الممنهج عبر التحقيقات المتلاحقة.

​

​وبموازاة ذلك، استندت المحكمة إلى أقوال الموظفة أمام النيابة الإدارية في القضية 450 لسنة 2022 لتثبيت الامتناع العمدي، متناسية أن عدم استلام العمل كان رد فعل طبيعي لمواجهة قرار معيب ومطعون عليه بالبطلان القانوني والدستوري.

​​

سلاح التجويع لإسكات الاعتراض الإداري

​

​علاوة على ذلك، يكرس الحكم مبدأ الأجر مقابل العمل كأداة ضغط اقتصادية لقهر الموظفين، متجاهلا أن حرمان العامل من مصدر دخله الوحيد طوال عامين ونصف يمثل عقوبة تجويع قاسية تفتقر للتناسب مع طبيعة النزاع الإداري.

​

​وتأسيسا على هذا الطرح، تستغل الجهات الحكومية هذا المبدأ للي ذراع أصحاب الكفاءات المعارضين لإجراءاتها، حيث يتم استخدام وقف المرتبات كإجراء وقائي سريع لإجبار الكوادر على الرضوخ التام لقرارات الإبعاد والتهجير الوظيفي دون مقاومة.

​

​وفي تطور مواز، يؤكد الخبير الاقتصادي والباحث في العدالة الاجتماعية إلهامي الميرغني أن مصادرة رواتب الموظفين خلال فترات النزاع القضائي تمثل انتهاكا صارخا للحقوق الاقتصادية، وتدفع أسر العاملين نحو الفقر في ظل الانهيار المعيشي الراهن.

​

​ويرى إلهامي الميرغني أن سياسات التقشف التي ينتهجها نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي تسعى إلى تقليص النفقات العامة وفاتورة الأجور الحكومية، عبر فرض تضييقات إدارية وقضائية تدفع الموظفين للاستقالة القسرية أو القبول بأسوأ الشروط.

​

​ومن جهة أخرى، يغفل هذا الاتجاه القضائي الحماية الدستورية المفروضة لحفظ الحد الأدنى للمعيشة، إذ لا يجوز حرمان الموظف من دخله الأساسي قبل صدور حكم قضائي بات يقطع بعدم مشروعية موقفه، صونا لكرامة أسرته ومستقبل أطفاله.

​

​وبحكم الواقع، تفرض السلطات التنفيذية حصارا ماليا على العاملين بالقطاع الطبي والمرافق الخدمية، مستفيدة من اجتهادات قضائية تجعل حق التقاضي عبئا ماليا مدمرا لا يقوى عليه سوى القادرين على تحمل انقطاع الدخل لسنوات.

 

وفي هذا الإطار، اعتمدت الإدارية العليا على أحكام سابقة كطعني 2014 و2002 لترسيخ هذا التوجه المتشدد، بما يقطع بأن حق التقاضي الدستوري لا يشفع للموظف في حماية راتبه إذا رفض الامتثال الفوري للأوامر الإدارية.

​

​وفضلا عن ذلك، تؤدي هذه القرارات إلى إفراغ نصوص قانون الخدمة المدنية من محتواها الحمائي، لتحول علاقة العمل في الجهاز الحكومي إلى صيغة إذعان مطلقة، تغيب عنها العدالة الاجتماعية ومعايير العمل الإنساني اللائق.

​

​ونتيجة لهذه الممارسات، يتعاظم شعور العاملين بالقهر الوظيفي، حيث يوضع الموظف بين خيارين أحلاهما مر، إما الانصياع لقرارات تعسفية تدمر استقراره الأسري والمهني، وإما الطعن أمام المحاكم مع تحمل الجوع وفقدان الراتب الشهري.

​

​تفكيك منظومة الخدمات وحقوق العاملين

​

​ومع تفاقم هذه الأزمة، ينعكس هذا النهج القضائي سلبا على كفاءة المرافق الحيوية للدولة، إذ يؤدي تهميش الكفاءات الطبية والتمريضية في محافظات كبورسعيد إلى تدهور حاد في مستوى الرعاية الصحية المقدمة لجموع المواطنين.

​

​وفي ظل هذه المعطيات، يوضح أستاذ العلوم السياسية والسياسات العامة بجامعة القاهرة الدكتور مصطفى كامل السيد أن توظيف الجهاز الإداري كأداة قمعية يعطل تنمية المرافق العامة، ويقضي على روح المبادرة لدى جموع العاملين في القطاعات الخدمية.

​

​ويشير مصطفى كامل السيد إلى أن استمرار هذا المسار يسفر عن تفريغ القطاع الصحي من الكفاءات وهجرتها للخارج، هربا من الإجراءات الإدارية التعسفية وغياب ضمانات الحماية القانونية المنصفة في مواجهة تسلط قيادات المؤسسات الحكومية.

​

​وبناء عليه، تدفع المنظومة الصحية ثمنا باهظا لسياسات الانصياع الأعمى، حيث يجري نقل الكوادر التمريضية ذات الخبرة دون خطط علمية تلبي الاحتياجات الفعلية للمرضى، بل لإرضاء حسابات إدارية ضيقة تفتقر للموضوعية والشفافية.

​

​وفي غضون ذلك، تتحول مقولة انتظام المرافق العامة باطراد إلى ذريعة لتبرير التجاوزات بحق العاملين، بينما الواقع الملموس يظهر تراجعا ملموسا في جودة الخدمات الحكومية نتيجة تفشي الإحباط واليأس في أوساط الموظفين العموميين.

​

​والجدير بالذكر أن إلزام الموظفة بالمصروفات القضائية عن درجتي التقاضي يجسد عقابا مضاعفا، يستهدف ردع سائر العاملين عن التفكير في مقاضاة جهات عملهم، وفرض جدار من الصمت والخوف داخل أروقة المكاتب الحكومية.

​

​واتساقا مع هذا المشهد، يتسابق المسؤولون الإداريون في إصدار قرارات نقل وندب جائرة لتعطيل مسار العاملين النقابي والحقوقي، مطمئنين إلى وجود مظلة قضائية تمنع الموظفين من التمسك بحقوقهم أو الاحتجاج على مواقع عملهم.

​

​وانطلاقا من هذه الوقائع، تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي حول إصلاح الجهاز الإداري والواقع القمعي المعاش، حيث تحل القبضة الأمنية والتهديد بقطع الأرزاق محل المعايير الإدارية الرشيدة وحوافز الجدارة المهنية والأداء المتميز.

​

​وختاما فإن المشهد الراهن يؤكد أن حرمان الموظفين من أدوات المقاومة الإدارية يرسخ نهجا شموليا يلتهم الحقوق العمالية، ويترك الكوادر المهنية فريسة سهلة لقرارات تعسفية تحظى بغطاء قضائي يشرعن سياسات الإذعان الوظيفي.